سباق أميركي – روسي على شروط الحل السوري بعد داعش

 

مع تقهقر داعش شرق سوريا عاد الحديث عن التسوية السياسية ومعاييرها الجديدة، وأصبحت موسكو قلقة على مبادرتها من سياسة ترمب الجديدة بعد دخول واشنطن على خط الاتصالات بعد غياب لفترة طويلة عبر دعم مرجعية مفاوضات جنيف وتقديم نصيحة للمبعوث الدولي دي مستورا بعدم الرهان على الحل الروسي ومؤتمر حميميم، في وقت تدفع موسكو لإنجاز تسوية وفق معاييرها وسقفها الذي لا يتطابع مع دمشق وطهران وغير مقبول إلى الآن من واشنطن.

واشنطن تسلحت بأوراق حلفائها في قوات سوريا الديمقراطية في السيطرة على شرق نهر الفرات الغنية بالنفط والغاز ومصادر المياه والزراعة وهي بذلك تعزز معادلة سوريا المفيدة اقتصاديا مقابل سوريا المفيدة التي كان يبحث عنها النظام السوري بدعم إيراني، في المقابل قبضت موسكو على ورقة تقدم قوات النظام غرب نهر الفرات وإبرام اتفاقات خفض التصعيد مع تركيا وإيران ودول إقليمية عربية إضافة إلى مصالحات في سوريا المفيدة عسكريا.

زيارة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد طهران التقى فيها علي أكبر ولايتي مسؤول العلاقات الدولية في مكتب مرشد الثورة علي خامنئي وسط انزعاج من مباركة روسيا الوجود التركي في إدلب وشمال سوريا بعيدا عن رغبة دمشق، رغم أن المبعوث الروسي الكسندر لافرنييف اجتمع مع بشار الأسد في 26/10/2017 لمناقشة دعم المسار السياسي ورفع وتيرة المصالحات الوطنية والحوار بين الجميع عبر مؤتمر وطني في سوريا وصولا إلى تعديل الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية لكنه لم يتطرق إلى الانتخابات الرئاسية التي يتضمنها القرار 2254.

لكن لماذا عاد الأمريكيون للحديث عن مصير الأسد والحل السوري بعد غياب من الإدارة الأميركية لفترة طويلة التي اتضحت من خلال مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال إتش آر ماكماستر عندما صرح أنه من الصعب جدا تصور كيف يمكن للأسد أن يكون جزءا من أي ترتيب خاصة وأن يديه ملطختان بالدماء، وكان له دور في تدمير بلاده والتسبب في المعاناة الإنسانية، واستخدم أبشع بعض أشنع الأسلحة على وجه الأرض لارتكاب عمليات قتل جماعية ضد شعبه من الضروري وجود قيادة مناسبة دوليا، وفي سوريا يمكن لهم تحقيق التوافق والمصالحة الضرورية، خصوصا بعدما فقدت دمشق ذريعة أساسية، وهي محاربة الإرهاب لأن داعش يتلاشى، وهناك تفاهم روسي تركي على التعامل مع جبهة النصرة شمال سوريا، وأن رهان دمشق على انتخابات محلية وبرلمانية ليس كافيا إذ أن القرار 2254 يتضمن أيضا انتخابات رئاسية بموجب البنود التي وضعها دي مستورا في الجولات التفاوضية الأخرى لبحث السلال الأربع الحكم، الدستور، الانتخابات، محاربة الإرهاب.

أكد ذلك لدي مستورا وزير خارجية أميركا تيلرسون بأن الولايات المتحدة تريد سوريا كاملة وموحدة لا دور لبشار الأسد في حكمها، وبدأت أميركا تبحث عن كيفية تحويل المواقف السياسية إلى استراتيجية وهي في نفس الوقت تستخدم قوات سوريا الديمقراطية ورقة تفاوضية أساسية إضافة إلى إعادة إعمار سوريا ورقة تفاوضية أخرى التي يمكن أن تتكلف نحو 200 مليار دولار وترفض الولايات المتحدة دفع أي مبلغ ما لم تكن هناك تسوية سياسية ذات صدقية وفي نفس الوقت هي تطرح خيار إعمار مناطق سوريا الديمقراطية المحررة إذا لم تحصل تسوية سورية شاملة.

هناك تعويل على مؤتمر المعارضة في الرياض 2 إلى جانب اجتماعات استانة ومؤتمر حميميم والتي يجب ألا تكون على غرار اجتماعات موسكو 1 وموسكو 2 في بدايات عام 2015 التي كانت اجتماعات بمثابة عصف فكري.

أمريكا قلقة من شراء تركيا صواريخ أس 400 من روسيا وهي في الحلف الأطلسي، وهناك استراتيجية أميركية جديدة في محاولة احتواء المد الإيراني، وتستخدم الأزمة السورية مكان لتصفية الحسابات بين أمريكا وروسيا وإيران وتركيا، فعقب تحرير الرقة من داعش أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الانتقال إلى مرحلة جديدة في سوريا تكون الولايات المتحدة منخرطة فيها، واعتبر أن الانتصار الذي حققته قوات سوريا الديمقراطية على داعش ينبئ بالانتقال قريبا إلى مرحلة جديدة في سوريا أوضحها ترامب تتمثل في دعم القوى الأمنية المحلية وخفض العنف في أنحاء سوريا وتهيئة الظروف لسلام دائم، لكي يتعذر على الإرهابيين العودة مرة أخرى وتهديد أمننا المشترك مجددا.

لكن تخشى روسيا من أن تؤدي المرحلة الجديدة التي يتحدث عنها ترمب إلى خلق واقع يعرقل تنفيذ المبادرات الروسية في سوريا، وهي تخشى من واشنطن من أن تدفع بسرعة نحو ظهور واقع جديد ممثل بمناطق خارج سيطرة النظام وخارج تأثير الضامنين، التركي وهو مطلب مصري وإيراني مطلب سعودي يهدد بفشل تلك الجهود، رغم أن موسكو تعمل عبر قنوات الاتصال مع الأمريكيين ومع دول أخرى للحصول على مباركة دولية لما تقوم به.

رغم أن روسيا وسعت من منطقة حظر وجود إيران وحزب الله في سوريا بطلب إسرائيلي ووافقت على توسيع الحزام الأمني حول حدودها من 5 كيلو مترات إلى 10 – 15 كيلو مترا لكن إسرائيل تطلب حزاما يبلغ 40 كيلو مترا، لكن روسيا تعتبره غير واقعي وأن الوجود الإيراني وحزب الله لم يتواجد بالقرب من الحدود الإسرائيلية بعد قدومها إلى سوريا، لكن إسرائيل صرحت بأنها لن تسمح بترسيخ الوجود العسكري الإيراني في سوريا.

فيما أن ترامب أعن عدم انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني في الوقت الراهن، ولكنه سوف ينسحب منه إذا لم يحصل على شروط أفضل، لذلك ألقى قنبلة داخل منطقة الشرق الأوسط المضطربة التي أثارت الخلافات الإقليمية وأثارت أيضا الخلافات مع الحلفاء والخصوم في آن واحد الذين قد يعصفون بالمصالح الأمريكية في كبح جماح سلوكيات إيران المدمرة في المنطقة، حيث شدد مستشار الأمن القومي الأميركي ماكماستر على أن واشنطن عازمة على مواجهة وكلاء إيران التي اتهمتها بإحداث انقسام في حكومة إقليم كردستان لتعزيز مصالحها، وعزم واشنطن على مواجهة حزب الله والوكلاء الإيرانيين الذين يدعمون نظام الأسد ويساعدونه على الاستمرار في قتل شعبه وعدم مواجهة الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن بطريقة تديم استمرارية الحرب الأهلية وطالبت كافة الدول بمواجهة آفة حزب الله ومواجهة آفة الإيرانيين والحرس الثوري الإيراني الذين يدعمون عمليات حزب الله وهو ما جعل النواب الأميركي يقر 4 مشاريع عقوبات على إيران وحزب الله وحثت الاتحاد الأوربي على اتخاذ خطوات مماثلة.

الولايات المتحدة تحاول تذكر العالم بأنها قادرة على الوفاء بكلمتها رغم اختلاف الإدارات الحاكمة، حيث طالب أوباما أن تحصل بغداد على حكومة جديدة أكثر مقدرة على كسب ثقة وولاء السكان السنة في البلاد، ولقد كان على حق في ذلك، ثم تحقق ذلك باستبدال العبادي بنوري المالكي والذي كانت قبضته أكثر رسوخا وثباتا عما توقعه المراقبون العراقيون أنفسهم بداية الأمر، ولما أعلن ترمب عن هدفه تحطيم ثم تدمير داعش بدأ الأمر وكأنه هدف حرب مشروطة رغم أن الولايات المتحدة لم تكن متحمسة في هذه الحرب الجديدة بعد المعارك المحبطة في كل من أفغانستان والعراق حيث كانت المساعدات للعراق متثاقلة في بداية الأمر وكانت الفوضى عارمة ولكن تغيرت ملامح المعركة تماما إذ تمكنت القوات الجوية الأمريكية من مساندة العمليات العسكرية على الأرض شارك فيها الجيش العراقي والبيشمركة وحتى الحشد الشعبي الذي كانت تتخوف منه الولايات المتحدة.

البعض يتحدث عن هيمنة عسكرية أمريكية راسخة على أسس غير راسخة من القرارات السياسية، لكن هناك استراتيجية سياسية بدت واضحة المعالم لإقامة نظام إصلاحي في سوريا والعراق لما بعد سقوط داعش رغم ذلك يعتقد البعض أن ترمب أيضا لا يملك هذه الاستراتيجية حتى الآن خصوصا وأن هذا الفريق يرى بأن مشكلات الحكم الدائمة على أرض الواقع لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية فحسب.

لكن ما يدور الآن صراع في المنطقة بين أمريكا وروسيا من جانب وأمريكا وإيران وتركيا من جانب آخر فهل هناك ثمة رهان دولي وإقليمي على ضرورة ترميم سوريا وحضورها الكامل داخل الخريطة؟.

لا تعليقات

اترك رد