عندما يساهم التعليم في خلق مجتمع معرفي


 

تعرف الجامعة على انها مجتمع المعلمين والعلماء كما صاغته جامعة بولونيا الايطاليه والتي تاسست عام 1088. والجامعات هي مؤسسات تعليميه اوربية بامتياز ظهرت في القرون الوسطى . هذا الصرح المعرفي، والذي انتشر في جميع انحاء العالم وبنفس الصيغه، اعتمد على اسس ثلاث الحرية الاكاديمية و المناهج و البحث العلمي.

والصيغة الاوربية للجامعات، والتي كما قلنا هي السائدة في العالم لحد يومنا الحالي، تمنح شهادات البكلوريوس والماجستير والدكتورا. وتقسم الجامعة الى فلسفة و اداب و فنون وعلوم خالصه ( رياضيات، فيزياء، كيمياء، بيولوجي )، بالاظافة الى العلوم التطبيقيه ( الطب والهندسة والزراعة و متطلباتهم) وكذلك العلوم الانسانيه والاجتماعيه .

اما في الدول الاسلاميه فقد ظهرت ثلاث جامعات هم
-جامعة الزيتونه – تونس عام 737
-جامعة القيروان-المغرب عام 877
-جامعة الازهر عام 970 زمن الدولة الفاطمية
الا ان هناك خلاف جوهري في تصنيف هذه الجامعات في الدول العربية-الاسلاميه حيث يرى البعض انه لا يمكن اعتبارهم جامعات لان مناهجهم محصورة فقط في علوم الدين وغياب التخصص في الفلسفة، اما الخريجين فهم رجال الدين فقط. وانا اتفق مع استبعاد هذه الجامعات من التصنيف العالمي لاولى الجامعات في العالم لانها كانت محصورة في تخصص الدين وفي الدين لا يوجد حرية اكاديميه. فمثلا لا يمكن في هذه الجامعات القول ان الانسان تكون عبر طفرة جينيه قبل ملايين السنين وان الارض تدور .
وللموضوعية العلمية ان التطور الحاصل في الجامعات العالمية لم يحدث في ليلة و ضحاها، فقد جرى الحوار التالي لغاليلو
قال الطاغوت: “لا علم إلا علمى و لا صواب إلا صوابى””

قال جاليليو “ومع كل ذلك فإن الأرض تدور حول الشمس.
وللدلاته على مدى عمق المعانات التي عاناها غاليلو وقد كان في سن السبعين اثناء محاكمته نورد هنا ما همس به الى صديقه قبل محاكته:

يا ليتني أحرقت كل ما كتبت بيدي حتى لا أشهد يوم محاكمتي هذا.

ولكن ورغم كل ذلك الطاغوت فان الارض بقيت تدور باستقلاليه عن اكتشاف غاليلو. ولكن تكمن اهمية غاليلو العالم في كونه الاساس في تطور علم الفضاء الذي نعيشه اليوم..

الذي وددت الاشاره له هنا، وفي نطاق التعليم، من ضاهرة غاليلو انه لولا الحرية الاكاديمية التي انتزعت و ابعد الطاغوت عن سيطرته على الفكر والاقرار بانه لا يمتك الحقيقة المطلقة لما شاهدنا جامعات بهذا المستوى الراقي في العالم في يومنا الحالي.
الجامعات، التي خارج منطقتنا الشرق اوسطيه، لم تعد مكان لانتاج المعلومه ولم تعد مكان تخرج اناس تمتلئ عقولهم بكم هائل من العلومات لا يعرفون كيف يستخدمونها. تلك الجامعات لم تعد ابراج عاجية لقلة من الناس لا يعرفون كيف يحلون مشاكل المجتمع وهي لم تعد تخرج اناس يبحثون عن عمل، وعندنا في العراق عن تعيين، بل اناس يخلقون فرص العمل، سارد هنا مثال عن تكامل الجامعات مع المجتمع، اطلعت علية قبل سنوات عن التجربة اليابانيه نسيت اسم الجامعة الان ولكن المثال بقي حاملا لاهميته في كون الجامعة مكان عضوي في المجتمع.
في احدى الجامعات اليابانيه تقوم احدى الشركات الكبرى باستقطاب الطلبة المتفوقين من السنه الاولى وتتفق معهم على التالي : ان يقوم الطالب اثناء عطلته بالتدريب في تلك الشركه اثناء العطلة الصيفيه، ان يقدم الطالب بحث تخرجه عن تلك الشركه. في مقابل ذلك تقوم الشركة بتحمل كافة اجور الطالب اثناء دراسته الجامعية على ان يعمل لديها بعد التخرج. بهذه الطريقه جعلت من الطالب ومنذ السنين الاولى لتعليمه الجامعي صاحب معرفة بما يخص تلك الشركة، فما ان يتخرج حتى يكون ملما بطبية الشركه ويرفدها بعلم جديد دائم التطور عبر كل سنه خريجين جدد يمتلكون معرفه جيده وحديثه اكتسبوها من الجامعة وايضا معرفه بطبيعة الشركه التي سيعمل فيها وبالتالي لا تحتاج الشركة الى خسارة اشهر عديدة الى حين موائمة الطالب لظروف الشركه. في نفس الوقت فان الخريج هذا يكون محملا باحدث العلوم ومكتسب لمعارف ومهارات فتستمر الشركه في التطور وليس ” مكانك سر”.
الجامعات العالمية الرصينه خلقت مجتمعا معرفيا جيدا. ساورد هنا محاججتي عن هذه الرؤيه . الرسام الايطالي ليوناردو دافنشي صاحب لوحة الموناليزا ليس فقط فنان بل رسم ايضا تخطيط لطائره لكنه لم يستطع تنفيذ فكرته هذه لان مجتمع روما ان ذلك لم يكن مستعدا لا علميا ولا تكنولوجيا لذلك . مارك زوكربيرك مؤسس الفيس بك ترك الجامعة ” هارفرد ” في السنة الثانية عندما اكتشف طريقه جديده في التواصل الاجتماعي عبر اعداد الدراسه والتحدث مع صديقته ان ذلك. خرج من الجامعة واسس تلك الشركة العملاقه التي تنشر اذرعها في كل انحاء العالم. لم يكن هذا الامر ممكنا لولا وجود مجتمع علمي متطور داخل وخارج الجامعات. وطبعا الفضل في ذلك يعود الى دور المؤسسات التعليمية في نشر العلوم والمعرفة والتقنيات في المجتمع.
مثال اخر له دلالاته، اثناء تواجدي في الولايات المتحدة عام 2013 واثناء تواجدي في شارع رئيسي في مدينه سان فرنسيسكو وكان الوقت عصرا، جذب انتباهي مجموعات من طلبة الثانويات يدخلون مكتبة خاصه. فتسائلت لما ذلك فقالوا لان لديهم واجب مدرسي يحتاج الى مصادر. اثار ذلك فضولي فدخلت المكتبه، اثارت اعجابي هدوء نظافه وكفتيريات ومقاعد جلوس للمطالعه علما انها مكتبة خاصه تتاجر بالكتب. هذه المكتبة تسمح للزائر بان يجلس ويقرا اي كتاب دون دفع اي مبلغ بشرط عدم اتلاف الكتاب. اثارني ذلك الموضوع الغريب بالنسبة لي فحدثت مديرة المكتبة عن ذلك وكيف انه يتجانس مع فكرة جني الارباح فقالت : في البداية انظر الى تلك العجوز بعمر السبعين تقريبا انها تاتي كل يوم من الواحدة ظهرا وتاخذ كتاب وتجلس في الكافيتيرا تقرا لمدة ساعتين يوميا. فقلت اين ربحكم اذن . قالت عند نشر المعرفه وحب القراءة تصبح عادة لدى الناس لا بل مصدر زهو و افتخار و مبارات في عدد الكتب المقرئة ترتفع مبيعاتنا. ثم اضافت بزهو اتعلم اننا اكبر شركة بيع ونشر للكتب في امريكا. يمكنك شراء اي كتاب عبر الانترنت ونرسله لك باجور نقل بسيطه.رحبت بي وغادرت لادارة مكتبه من الاروع في اطار المكتبات التجاريه.

لا تعليقات

اترك رد