المرأة الرافدينية في الصراع بين الايدلوجية والبيولوجية

 

ان اغلب المجتمعات القديمة قائمة على اساس انثوي ، وعلى فكرة اساسية وهي ان المرأة اساس الحياة وهذه الفكرة ظهرت مع بداية ظهور القرى الفلاحية ، أي مع ظهور الزراعة ، لذا نجد الربة او الالهة الام تتربع على عرش العبودية وكل شيء صائر اليها ، ولكن مع تطور تلك المجتمعات الزراعية باتجاه الافكار الثقافية المتطورة والتي تقوم على اسس ايدلوجية اخذت مكانة المرأة فيها بالتفاوت بين البروز والانحسار ، لكن دون ان تختفي وإنما تأخذ دور ثانوي فيها ، مقابل سطوع نجم الرجل الذكوري الى الحد الذي اصبحت فيه مكانة الرجل تفوق مكانة المرأة في المجتمعات القديمة ومهما وصلت الى مرحلة استثنائية.

وهذا الحال نجده واضح وبشكل كبير ضمن الفكر الاسطوري – الديني اذا ما اخذنا المعنى والمغزى الحقيقي وراء تلك الافكار وتطورها . اذ نجد ان المرأة الانثوية في الاساطير القديمة تدخل ضمن صراع طويل مع الذكورية التي اخذت تبرز مكانة الايدلوجية للثقافة الذكورية كما يذكر ذلك تركي ربيعو في كتابه العنف المقدس والجنس((ان الاسطورة تظل شاهدا ادبيا ، وفنيا ، وأيدلوجيا ممتازا لثقافة ذكورية)) أي ان الفارق والصراع بين المرأة والرجل هو فارق ايدلوجي وثقافي وتأريخي قبل ان يكون فارقا بيولوجيا رغم ان السبب الاخير يشكل ايضا الاساس في الاختلاف بينهما ، وهناك سبب اخر يعمق من فكرة الاختلاف والصراع بين الانوثة والذكورية هو قرب المرأة من الطبيعة وارتباطها القوي بها ، فضلا عن ان تركيبة جسد المرأة يجعلها في ادوار ووظائف اجتماعية تعتبر مماثلة لطبيعتها الفيزولوجية التي بدورها تجعلها اكثر قرب من الطبيعة على خلاف الرجل. وهذا يتضح لنا بشكل جلي في صراع المرأة مع الذكورية في اغلب الاساطير القديمة مثل اسطورة الخلق البابلية وأسطورة عشتار وكلكامش وهو ما يطلق عليه صراع الطبيعة مع الثقافة.

وعلى سبيل المثال نأخذ اسطورة الخلق البابلية نجد الصراع فيها يتجسد بين مردوخ وتيامة التي تعلن الحرب على ابناءها المتطاولين عليها فتسخر الام تيامه كل ما يخدمها في الطبيعة من رياح ووحوش وكائنات وتكون جيش كبير وتوكل امر هذا الجيش الى الاله الوحش كنكو في المقابل يجتمع الالهة الابناء ويوكلون امر مواجهة تيامة الى مردوخ الابن الاصغر الذي يقبل الدخول ضمن هذا الصراع فيجهز اسلحته المتمثل بالروح والقوس ويشرع في دخول الحرب بشرط ان يصبح هو الاله الكلي والأكبر بعد انتصاره على الاله تيامه ، وفعلا تحدث المواجهة بين الام والابن الصغر ويتحقق الانتصار له ويعمل على القضاء على تيامة وشقها الى نصفين وخلق من جسدها اشياء مبدعة متمثلة بالأرض والسماء، والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف استطاع مردوخ على الام تيامة وجيشها الكبير ؟ نلاحظ ان الحرب التي دارت بين الطرفين هي حرب فيها تضاد بين الطبيعة والثقافة فضلا عن التضاد في وسيلة واداة السلاح اذ نجد ان تيامه تتسلح بسلاح الطبيعة الرمزي الذي تظهر قوتها من خلاله وهو ( الكلاب المسعورة، الثيران الهائجة ، وعفاريت ووحوش) ، في حين نجد ان سلاح مردوخ هو سلاح حضاري متمثل (بالرمح والقوس ، والهراوة ، والشبكة) وهي اسلحة من عناصر الابداع الحضاري ، بذلك يكون انتاج مردوخ الذكوري هو انتصار حضاري كما يشير الى ذلك ربيعو( انتصار حضارة على الطبيعة وإعادة تشكيلها) والمقصود بإعادة تشكيلها هو خلق وإنتاج اخر هو الارض والسماء من جسد الطبيعة الخاسرة المتمثلة بتيامه فدور المرأة الانثوي في سائر الافكار الاسطورية كان دائر ضمن تشكيل انظمة حضارية جديدة التي تقوم على اساس تسخير الطبيعة الرمزية لان اساس الثقافة هو السعي دوما نحو تكييف الطبيعة. أي ان المرأة رمز الطبيعة وفق المنظور الاسطوري كانت ضحية الاختلاف الذي يقوم على اساس النظام الحضاري الثقافي ويعيد تشكيل الطبيعة التي ارتبطت بها المرأة كما ذكرنا بشكل رمزي الى نظام اجتماعي جديد يتمحور حول الذكر الذي يتيح للمرأة الانخراط في عناصره الثقافية المتمثلة بالدين والقانون والجوانب الثقافية الاخرى التي تحمل طابع ذكوري.

المقال السابقاحلام غسلت عتمة الغربة
المقال التالىالدستور والعودة الى الجاهلية
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية المؤهــــــلات: - ليسانس ألسن – قسم اللغة الانجليزية – كلية الألسن- جامعة عين شمس - تمهيدى ماجيستير كلية الألسن- جامعة عين شمس - ماجيستير فى الأدب الأمريكى من كلية الألسن – جامعة عين شمس- وكان عنوان الرسالة "العنف فى مسرحيات اد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد