الورد في الأدب العربي بين الحضور الجمالي والرمز الفنّي – ج2


 

يمزج الورد عدة عوالم تتفاعل في مجاله الشاسع:الطبيعة والثقافة والتاريخ لتظل على مرّ العصور رمزا للجمال عبر مداليل وجدانيّة شعورية تمسّ واقع الانسان في كلّ لحظاته الحسّيّة . وهذا السحر النابع من عطر الورد وجماله الأخّاذ الذي يأسر الألباب فينتفع بغناه الأبدي ويرفعه إلى عوالم الدّهشة والروعة والانتشاء الروحي في حياة مثاليّة تعانق الفضائل العليا ، جعل الكثير من الأدباء والشعراء يطلقون لأحاسيسهم العنان في حضرة الورد يحضنون –بدفق الشعور وحرارة النبض- ورد الرّوح وزهر الوجود ولنا أن ننطلق في سياق النشوة والانتشاء بعبير الزهر من بيت للمتنبّي أظهر فيه قوة تأثير العطر وارتباطه بوجود الانسان:
وفتّانة العينيْنِ قتّالةَ الهوى إذا نفَحَت شيخاً روائحُها شبا
بهذا يتحوّل الشّيخُ شابا يتمتع بالحويّة والفتوّة حين يستنشق عبير الورد مبعث الحياة والبهجة واهب المتعة والسعادة التي تعاند الدهور . وهاهنا سحر الطبيعة وسحر الورد مصدر التغيير والتّحول . ولكنّها أيضا لغة الورد لا يفقه كنهها إلاّ من تاقت نفسه للجمال وعوالم الرّوح الشّفيفة لأنّها لغة مثقلة بالدلالات ومضمّخة بالمعاني تنفتح آفاقها الرحبة لمن أشاع خياله المسافات وأطلق مداركه للسفر البعيد . وأول مرافئه ما دُوّن عن الورد وكثيرة هذه المدوّنات التي اعتنت بجماله وبهائه مثل كتاب “نهاية الأرب في فنون الأدب”وهو موسوعة ضخمة للمؤرخ المصري شهاب الدين النويري التي تناول فيها أنواع الورد ودلالاته إضافة إلى مؤلفات أخرى مثل “البديع في وصف الرّبيع ” للمؤلف الأندلسي “أبو الوليد إسماعيل بن عامر الحميري” ومن البديع في فصل الربيع ما أنشده أبو جعفر ابن الأبار حيث يقول :
مَلِكُ الفُصُولِ حبَا الثّرى بثرائه مُتَبرّجا لوِهاده وهِضــــــــابه
فأراكَ بالأنوار وشْيَ بُـــــروده وأراكَ بالأشجار خضر قبابِه
عقلُ العقولِ فما تكيّفَ حسنُـــه وثنى العيون جنائباً بجنابــــــه
كما حضر الورد في الرسائل وأهمها رسالة أبي حفص بن برد إلى أبي الوليد بن جهور في تفضيل الورد على البهار. ورسالة أبي مروان بن إدريس الجزيري في بنفسج العامريّة في المفاضلة بين زهرتيْ البنفسج والخيري ولنا في ذلك مقطع من هذه المفاضلة :
شهادة البنفسج :
شهد البنفسج أنّه
للورد عبد تملّك
يسعى بقلبٍ ناصحٍ
في حبّه مستهلك
شهادة الخيري النمام:
شهد الخيري برّا صادقاً
قولة أبعد عنها الدّرك
أنّ أزهار الثّرى أجمعها
أُعْبُدٌ والورد فيها ملك
هذا فضلا عن أشعار الشعراء الذين ملؤوا الدّنيا وشغلوا الناس بجمال الورد حين اهتموا به مقترنا بالطبيعة والربيع وهاهنا يرتبط حضور الورد بالزمن تارة حين يوصف الربيع ، وبالمكان طورا لمّا يتغنى الشعراء بالطبيعة والبلدان .وفي هذا المقام قد يكون لزاما علينا أن نفهم معى الورد في اللغة لأن ذلك يسهّل استعمالاته المتنوعة في الأدب العربي التي نحاول الإحاطة ببعضها وقد جاء في لسان العرب لابن منظور “ورد : ورد كلّ شجرة :نورها ،وقد غلبت على نوع الحوجم . قال أبو حنيفة : الورد نور كل شجرة وزهر كل نبتة ، واحدته وردة ، قال : والورد ببلاد العرب كثير ، ريفيّة وبريّة وجبليّة .وورد الشجر : نور . ووردت الشّجرة إذا خرج نورها . الجوهري: الورد ،بالفتح ،الذي يُشمّ ،الواحدة وردة ،وبلونه قيل للأسد ورد ، وللفرس ورد وهو بين الكميت والأشقر . ابن سيده : الورد لون أحمر يضرب إلى صفرة حسنة في كلّ شيء ، فرس ورد والجمع ورد ووارد ، والأنثى وردة …وقال الزجاج في قوله تعالى :فكانت وردة كالدهان ، أي صارت كلون الورد ….”بهذا تختلف المعاني وتتنوع فالورد نور الشجر وأنوار البساتين وهو أيضا الجيش في قول جرير :
سأحمد يربوعا على أن وردها إذا ذيد لم يحبس وإن ذاد حكما
وهاهنا شبه الشاعر الجيش بالورد من الإبل بعينها كما ذكر ابن منظور .وهو أيضا شرب الماء ونهله بكسر الواو في الورد فهو وِرد ولئن عبر الوَرد عن الربيع والخصوبة والرّواء والحياة فقد عبر مجانسه عن العطش يقول بن منظور مرة أخرى في تعريف الولرد “الورد : وقت يوم بين الظمأين ،والمصدر الورود” وفي ذلك يقول جرير:
لا وِرد للقوم إن لم يعرفوا بردى إذا تكشف عن أعناقــــها السّدف
وقد عُرف الورد في الجاهليّة فوردة اسم أم طرفة ابن العبد في قوله :
صغر البنون ورهط وردة غيب ما ينظرون بحق وردة فيكـــــــــم
وهو أيضا اسم الشاعر الصعلوك عروة بن الورد هذا فضلا عما جاء في شعر عنترة بن شداد العبسي وقد قصد به الورد النبات بألوانه ونضارته حين يقول :
ومبهرج ومهــــــــــــرج وجلل والورد بن مبـــهج ومفـــــــــوح
كالزعفران وأبيــــض كالسنجل يزهو بأحمر كالعقيق وأصفــــــــر
وشعر مقري الوحش :
نار على ماء الحياة لم تجمــد والورد يحكي بالغصون مجامــــرا
لعلّنا بهذا الحضور للورد في الشعر الجاهلي لا ندحض فقط ما جاء في بعض الدراسات أن الورد لم يُذكر في عرف العرب وأشعارهم في العصر الجاهلي بل نقرّ أكثر من ذلك أنّ العربي عشق الجمال بعشق الورد فلم يقتصر وجوده على معايشة الحيوان من بقر وحشي وخيل ونوق وغيرها بل تجاوزها إلى النبات وفهم لغة الورد .فالورد كالعشق لا زمان له في كل حين أوانه وفي كل نظرة جماله فيحضر في الشعر كالحب والغزل . وظلّ هذا الشعور ملازما له في أشعاره ليرتبط بجملة من الأغراض الشعريّة الجديدة وخاصّة التي جاء بها المولّدون وشكلوا من جمال الورد معان شعريّة محدثة مسّت مواطن القصيدة. ولعلّ أبا نواس واحد من الذين عشقوا الجمال ورتّلوا في حضرته تسابيحهم فأبدلوا الوقوف على طلل الحبيبة بالوقوف على طلل الخمرة واستبدلوا الأثر الدّارس وما يوحي به من موت وفناء بأطلال الخصوبة والحياة والتّجدّد في قوله: ودار ندامى عطّلوهــــا وأدلـــــجوا بها أثرٌ منهُم جديـــــدٌ ودارسُ
مساحب من جرّ الزّقاق على الثّرى وأضغاثُ ريحانٍ جنيٍّ ويابــسُ
ويتواصل الاهتمام بالورد كجزء من الطبيعة والتغني بالربيع مع فحول الشعر في العصر العبّاسي وقد تناول بهاء الدين الإربلي في كتابه “التذكرة الفخريّة” الربيع فيصفه ويتركز وصفه على الورد حين يقول :”… وكأنّ نرجسه عيون ينفث سحرها في العقد ، وكأنّ أقاحهثغور تفتر عن طلع كالبَرَدِ ، وقد جالت دموع الطّل في وجنات ورده الجنيّ، ولاح بنفسجه كالعذارى في حسن الرّواء ونضارة الرّي ..”وهاهنا مثّل الربيع مدار اهتمام الشعراء ليعلنوا شغفهم به ويبتهجون بهوبأزهاره ليتشكل عبر هذا العشق عشقا آخر هو عشق القصيدة ودلالها في بناء الصّورة الشعريّة ومرجعياتها فيتطور معها الشعر الوصفي فيغدو غرضا ينضاف إلى بقيّة الأغراض الأخرى ليتوسعوا في وصف المشاهد الطبيعية مثل وصف الربيع لأبي تمام وهذه أبيات اقترنت فيها صورة الربيع بصورة الورد والزهور :
يا صاحبيّ تَقَصّيا نظَريْكمـــــــــــــا      تَرَيا وجوه الأرض كيف تُصوّرُ
تريا نهارا مُشمسا قد شابـــــــــــه      زَهْرُ الرّبا فكأنّما هــــــو مُقمِـــرُ
أضحتْ تصُوغُ بُطونها لظهورهـــا      نَوْرا تكادُ له القلوبُ تنـــــــــــورُ
من كلّ زاهرة تُرقرِقُ بالنّــــــــدى      فكأنّها عيْنٌ عليْه تحـــــــــــــــدرُ
بهذا الخطاب الشعري يرتبط جمال الطبيعة بجمال الأزهار تدور اللوحات الفنية حول الطبيعة وأوصافها ليتقن الشعراء في مثلها من اللوحات الفنية الشعرية تمثيل الجمال فيها والشعور بالامتلاء والنشوة وهو مدار الخطاب في أشعار أمثال ابن المعتز وابن الرومي ولنا في ذلك قول هذا الأخير :
يرتاح للنيلوفر القلب الـــــــــذي             لا يستفيق من الغرام وجهــده
والورد أصبح في الرّوائح عبده             والنّرجس المسكي خادم عبده
يا حسنه في بركة قد أصبحت              محشوّة مسكا يشاب بنِـــــــــدّه
وكأنّه فيها وقج لحظ الصّــــبا               ورمى المنام ببعده وبصــــــدّه
محجور حب ظلّ يرفع رأســه              كالمستجير بربّه من ضــــــــدّه
ويتجاوز الورد وصف المشاهد الطبيعيّة كما في غرض الطبيعة ليحضر في أغراض أخرى كالغزل والمدح ليكون الورد في أحايين كثيرة وسيلة فنيّة وأداة ارتكاز في الوصف يقيم من خلالها الشاعر المشابهة بين الموصوف المعشوق أو الممدوح وبين صور الورد بألوانها ورائحتها وفق خصوصية الوصف للمشبه من ناحية ودلالة المشبه به من ناحية ثانية . وفي ذلك يقول ابن الرومي :”النرجس شبه الأعين والمضاحك والورد يشبه الخدود ..قال: والورد صفة لأنّهلون ، والنرجس يضارعه في هذا الاسم لأنّ النّرجس هو الريحان الوارد أعني أنّه أبدا في الماء ،. والورد خجل ،والنرجس مبتسم ..” . كما ذكر ابن المعتز النيلوفر يصفه يغمر البركة بألوانه فتزهو فكأن نهاره ينبعث من مقلة أجفانها باهتة ويشبه النيلوفر بأنه قضيب تتفرّع من أعلاه ياقوتة .. وهذا الاهتمام بالورد والطبيعة يترسّخ أكثر مع شعراء الأندلس أين شاع شعر الطبيعة شيوعا ملفتا حتى اقترن الشعر الأندلسي بوصفها والتغني بجمالها يراوح فيها شعراؤها بين المرأة والطبيعة فوصفوا المرأة بالطبيعة ووصفوا الطّبيعة بالمرأة …..يتبــــــع

لا تعليقات

اترك رد