حليب الغولة


 

حليب الغولة عنوان لاقصوصة للكاتب التونسى بوراوى عجينة , و هي تتحدث عن حمّى الاستهلاك فى الفضاءات التجارية الكبرى .

و معنى حليب الغولة أنّ أولياءنا كانوا حين يدلّلون الابن الأصغر أخر حبّات العنقود, يقولون لو يطلب حليب الغولة فسنحضرها له..!

و كنّا نحن أطفالا صغارا أشقياء, لا ننام طيلة اليوم و في عزّ الظّهيرة و القيلولة لا نذهب الى النوم, بل نلعب بالكرة و نتسلّق أشجار الجيران لنقطف ما لذّ من غلال التّين و اللوز.فكانت أمّهاتنا يجبرننا على أخذ قسط من الراحة في القيلولة بالتّعنيف تارة و بالتجريح و التخويف تارة أخرى…(ان لم تناموا فسيأتى الغول و الغولة لخطفكم و أخذكم معها).و فعلا كناّ نصدّق ذلك و نذعن للأمر خوفا من أذى الغولة…

و حين كبرنا , أدركنا أنّ الغولة ليست سوى ذالك الوحش النّائم فى ملابسنا أو الشرطيّ المكلّف بحراسة نومنا حين تذهب جدّاتنا و أمّهاتنا الى النّوم..و من فرط خوفنا كان بعض الأطفال يفعلونها في

سراويلهم..و تعلّمنا و علمنا أنّ لكلّ منّا غولته الخاصّة و خرافاته التى يحيا بها , من رأس الغول الى الوحش الى الذئب .و استمّر معنا الخوف فصارالحاكم بأمره هو الغول الأكبر و حرّاسه يتغوّلون فى المناصب, و بات بعض البشر المتنفّذين كائنات متغوّلة تجدها فى السياسة و تدير أحزابا بل صار التغوّل فنّا و ممارسة سياسية.كان يكفى أن تذعن أو تستسلم و لا يحقّ لك الكلام .نفّذ الأمر و السلام.

صارلنا أباطرة فساد متنفّذون يتغوّلون تذعن لأوامرهم مثل قطط مرتجفة فى ليلة شتوية باردة.

في الرّياضة, صار لنا غول مخيف يجتاح ملاعبنا و جماهيرنا.هو غول اسمه العنف, و قد فتحوا له الباب لتنطلق منه حيوانات أليفة أهليّة هائجة مائجة فتحطّم و تلقى بكلّ ما يوافقها أو ينافقها..

هل نحن دجاج أم أغنام نائمة نطغى و ننتفخ كالفراعنة و نزنى في اليوم ألف مرّة لتنكحنا طغمة حاكمة؟

فى التربية نربّى أبناءنا على الخوف.نربّيهم على صورة الغولة , و الغول ساكن فى مناهجنا التعليمية فى صورة الأستاذ و الامتحان و المتفقّد,.يصيب الجميع فيأكل المدرّسين و يبتلع كلّ من يشذّ عن القاعدة.فالعدد غول يخشاه التّلاميذ و كلّ من يرفض الاملاءات و المناشير البالية, فالتضييق و النقلة التعسّفية مصيره. و الغول يسكن ادارتنا من الابعاد الى الايقاف عن العمل الى العقوبة والطرد.

قد يكون الغول فكرة لا وجود لها فى الواقع و انّما يصنعها خوفنا .فهو ودود خلوق, و لكن نحن من نصنع غولنا فى الأسرة و المدرسة و ميادين العمل..و قد يكون شكلا بلا محتوى أو صورة هلاميّة أو هوالظلّ الّذى يحجب الغابة أو الحاكم الذى يلقى علينا كلّ فنون الخطابة و نستجيب له بالصّمت المهين و العجز الرّهين لمقولة {من خاف نجا}

حديث التغوّل ليس غير قصّة استحمار شعب ذات أكتوبر يتعامى لنوفّر له حليب الغولة مكان حليب الثورة الّذى جفّ فى الأشداق..

فهل يرى الحقيقة بعيدا عن التجامل و التّنافق و التجاهل.؟.

دورة شهرية

حين كبرت ابنة الملك و بلغت مبلغ النساء,أهداها صاحبها كيس فوط نسائية.دخل الى خدرها و قرأ لها قصّة الغولة ذات السّبعة أرواح, ثمّ خرج يترنّح باحثا عن شهوة المتعة في تفاّح المجانين.

اقتنى لها كلّ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلبها ثمّ حملها بعيدا عن أعين الحرّاس و الرّقباء لتحمل منه سفاحا..

و حين علمت بحملها قرّرت التخلّص منه,فهدّدها بالمسخ …سيمسخها غولة لترضع صغارها من حليبها و تصنع منهم أغوالا يتوزّعون, و يتناسلون و تكبر أثداءهم ,و يكبر نهمهم

فيحتلّون كل المواقع.يتموقعون و يعيدون انتاج و رسكلة المبتدئين

و الجدد.لقد بات الغول يسكن حياة كلّ فرد مناّ…

و تذهب يا أمّى قصص الغولة و حليبها و أولادها من البيت الّذى شاخت جدرانه و عشت فيه طفولتى و غرفتى الّتى تحكى لي قصصا بريئة.و كبرت و كبرنا و كبرت أحلامنا و أحزاننا و زارنا الحبّ على عجل .كنت تمشين على أطراف أصابعك فى جوف اللّيل كلقلق حذر,حتّى تصلى الى سريري فتسوّين عليّ الغطاء خوفا من زيارة الغولة ليلا و كنت أستفيق على سعال أبى رحمه الله فأندسّ تحت الغطاء خوفا من غضبه..

فى تلك الليلة زارتنى الغولة متنكّرة فى برنس قشيب..فتحت عليّ الباب بهدوء ,و دلفت الى الدّاخل.قاومت اثارتها و تظاهرت بالغباء.لم أعرف فصيلة دمها تلك الغولة الطّروب اللّعوب.جلست حذوى بعض الوقت.عرفتها من رائحة الّنبيذ و زجاجة العطر.كنت أرتجف خوفا. مبلّل كعصفورنبت له جناحان.

اليوم ضيّع الدّيك معنى الصّباح و صار يحرسنا الَضّجر,و صرنا نقبل على الطّعام بما لذّ و طاب .و الأرض منفانا المفضّل حتّى يصبح الرّاتب ممنوعا من الصّرف و المستقبل مبنياّ الى المجهول.

يطلب منّا سنة أخرى فقط ليعيش الغبيّ سعيدا و يبيع ما بقي من ملابسه للحكومة و هي تعدنا بالنعيم و السرّالقديم.

فى وجوهنا حكايات نتقاسمها و نتداولها عن الغول و الغولة.

_ كنت صغيرا أنيس الفراشة و صديق زهر اللّوزو التفاّح يينع فى الرّبيع. أماّ هم, فباسم الشّرعيّة يمارسون الشرّعلى الرّعيّة.و بالتغوّل يصادرون حقّنا فى التبوّل..

أيّها الجالسون على مقاعد التّحصيل قولوا صباحا لفاكهة الدّرس و أنتم نجوم مقمرة في سماء حالكة…نعيش حياتنا استعارات و مهاترات…غاص الطّرق فى الرّأس العنيد ,فصمنا عن الكلام من جديد.

لقد كذب علينا النّحو,فهو أعمى و لا يبصر.لا فائدة من الاعراب.فما موقع حليب الغولة من الجملة؟أفى الصّدر أم هي فضلة تجود بها الذّاكرة و المقام؟ لا يهمّ فما من معنى للكلام..

سألتنى أين أنت؟أجبت. أنا لا أزال فى سفر البداية و أنتظر أن تكون نهايتى سرديّة كطفل فى الهشاشة يرضع من حليب أمّه و يلبس حفّاظة ليمارس عندما يكبر السياسة..و يمارسها ..بكلّ نجاسة…

لا تعليقات

اترك رد