سرَّاق البراءة


 

بكل صراحة ووضوح حاولت تفادي الكتابة عن موضوع القاصرات ليس إجحافا بحقهن وهن من يعانين اقسىى انواع الظلم، لكن كتابة هذا الموضوع يثير بداخلي ألم كبير ويستثير حزني العميق المقموع بداخلي منذ سنين، ومن المخجل ان نطالب بحق مشروط للانسانية من دون مطالبة اذ ان مشروع قانون الأحوال الشخصية المطروح في مجلس النواب أعادني الى عقود خلت ايقضت ذكرياتي وتجربتي التي كدت أنساها ، قبل ٢٣ عام حينما سرقت طفولتي مني وانا بسن الحادية عشر! لذا عندما اسمع بقصة كل فتاة قاصر تم تزويجها اشعر انها جزء مني وانا جزء منها.

اتذكر ذات يوم كنت بندوة في جامعة سواس في لندن تتحدث عن زواج القاصرات قالت لي إحداهن بمرارة وهي تنقل لي تجربتها، وهي في سن التاسعة .
فتقول: كان جارهم شاباً وسيماً يمسك بيده مسبحة ملونه تتراقص حباتها بين أصابعه، كان هذا الشاب يزورهم في البيت بشكل يومي تقريباً ذات يوم جلس بجانبها و راح يسألها أسئلة عديدة لم تكن تعرف الإجابة او لم يخطر ببالها كطفلة ان تتعرض لمثل هذه الاسئلة وما الغاية منها. وتتابع صاحبتي حديثها فتقول: سألني عن كيفية إعداد مرقة البامية؟
وعن كيفية ولادة الاطفال ؟ ماهي أوقات الصلاة؟ وأسألة اخرى مبعثرة و غير متناسقة بتسلسلها الموضوعي وكأنه محقق يسأل ليحل لغزاً عصياً لقضيته.
لم تفهم الفتاة ما وراء تلك الاسئلة. لكنها عرفت بعد حين انه جاء لخطبتها ، وقامت امها بإقناعها وهي تقول لها حينما توافقين بالزواج منه ستكونين قدوةً للبنات، كما انك ستطيعين الله كما أطاعته من قبل سيدتنا فاطمة (او كما يدعي بعض المؤرخون ذلك ).
تمت الصفقة وبادرها عريس الغفلة بسؤال هل تعرفين كيف ستسعديني بالمستقبل؟ وكيف نقضي وقتنا سويا؟
إجابته بعفوية الطفلة وهي ضاحكة، لقد جمعت لك اجمل خمسة حصى بشارعنا ويمكننا تفكيك مسبحة يدك هذه لنلعب انا وانت لعبة (الصقلة) .
تقول لقد ضحك الشاب بقهقهة عالية لم افهم سببها آنذاك ، فقد كنت جادة بما قلت.
لم يسع الشاب إلا ان ترك مسبحته الجميلة بيدها ورحل ولم تره بعدها! وكأنها بأجابتها تلك صفعته ليصحو قبل ان يذبحها بدم بارد!

تقول الفتاة بحسرة انهم أرادوا ان يقدموها قرباناً لارضاء الله وكأن الله الرحيم على عباده لا يرضى سوى بتعذيب واغتصاب تلك الفتيات الصغيرات اللواتي لا حيلة لهن سوى الخضوع للامر الواقع و لتعاليم رجال الدين الأفاقين .

ان رجال الدين واصحاب القرار في البرلمان ينصبون أنفسهم ناطقون عن لسان الله لارضاء غرائزهم اولا و لكي يماهوا مرضى المجتمع من خلال تشريع عادات وتقاليد بالية لم تنصف المرأة يوما.

لو سلمنا ان قانون تزويج القاصرات بعمر التاسعة منصف.. كيف لطفلة بهذا العمر لا يشغل تفكيرها سوى الألعاب والقفز والفرح بشكولاته يجلبها لها ابوها، وبتقليد ما تراه بأفلام الكارتون من فرسان وأميرات، ان تبني مجتمع متوازن ومستقر وان تكون مربية اجيال وهي تحتاج الى تربية بعد، وهل يمكن ان نبني مجتمعاً صحياً وسليمً ومعافى من المشاكل عن طريق طفلة؟
و هل مثل هذه الطفلة مناسبة لإقامة علاقة قانونية وشرعية وجنسية؟ هل تعي ماتقتضيه العلاقة الزوجية من واجبات والتزامات.
حيرتني تلك الأسئلة فحاولت ان اجمع أجوبتها من بنات صديقاتي الصغار لأعرف مدى ادراكهن حينما يواجهن مثل تلك المسؤوليات سألت بعضهن و أصغرهن كانت في عمر ٩ وقلت لها هل يمكنك الذهاب لوحدك للسوق لشراء حاجيات المطبخ؟ فأجابت يمكنني ذلك لكن لايمكنني ان اعرف ما يحتاجه المطبخ لوحدي ، كما اني لا استطيع حمل جميع الاكياس للبيت. هنا تسائلت ان كان سن الرشد عند الفتاة بعمر التاسعة جسديا وهي ما زالت غيرمؤهلة لحمل اكياس التسوق ، فكيف لها حمل تلك التغيرات الكبيرة التي تحدث بعدالزواج. وكم من الفتيات الصغيرات ماتت وهي في حالات الطلق لانها لا تحتمل. وهي صغيرة علاوة على انها غير مكتملة الرحم .

يبقى السؤال ما جدوى إقرار مثل هذه القوانين العبثية المجحفة بحق المرأة مع وجود قانون الأحوال الشخصية في العراق رقم 188 لسنة 1959 والذي يعد متوافقا إلى حد ما مع القوانين الدولية التي تدعو إلى أن يكون الحد الأدنى للزواج عند اكمال الـ18 عاما ان طرح قانونا لاحوال الشخصية بصيغته الحالية. هو بمثابة قتل للحياة المدنية وللقانون المدني الذي يمنع زواج القاصرات وهو تحدي صارخ لحقوق المرأة العراقية التي تعاني أصلاً من السلطة الذكورية وتسلطها ، فبدلا ان نساعد المرأة لتكون عنصراً فعالاً يأتي هذا القانون ليزيد من معاناتها وتخلفها.
ولعل من المضحك المبكي ما نقله احد المحامين بان اغرب حالة طلاق مرت به كانت لطفلة في عمر ال١٥ اذ انها واهلها غاضبين لان زوجها لم يجلب لها الآيسكريم حين طلبته هي منه وبذالك تصاعد الشجار بينهما الى ان وصل للطلاق!
وحالة اخرى نقلتها الصحف الامريكية لضحية عراقية قتلها زوجها وقد اثارت اهتمامي ، وهي لزواج مبكّر لفتاة تدعى شيماءالعوادي في سانت دييغو والتي قتلها زوجها في عام ٢٠١٤ حين طلبت الطلاق منه ومما استفزني اكثر ان شيماء كانت تبلغ ٣٢ سنة حين قتلت على يد زوجها الذي يبلغ الخمسين من عمره وقد ساعدته في الجريمة ابنته التي تبلغ ١٩ عاما اي ان الضحية كان عمرها ١٣ سنة حين ولدت اكبر بناتها! فأصبحت ضحية للموت حين أرادت اختيار طريقها.

لا اعلم مدى تأثير ذلك القانون الذي سيجرى التصويت عليه على مستقبل العلاقات الاجتماعية في العراق، فقد ذكرت احصائية. لوزارة التخطيط العراقية لسنة 2010 ان اكثر من 10% من اجمالي جنس البنات يتم تزويجهن خارج المحاكم. وبالتالي يتم طلاقهن بلا حقوق ويصبحن في مهب الريح هُن وأطفالهن
فمن المشين بحق المرأة العراقية ان تقتل مرتين، الاولى حين يقبل اَهلها بأنتزاع طفولتها منها والثانية حين يشرعن الظلم بحقها تحت مظلة القانون والذي من اساسياته العدل والانصاف.

المقال السابقمختمر أيها الحقل
المقال التالىحديث الواحات
بيداء شاكر اعلامية عراقية ولدت في العراق ، معدة ومقدمة برامج تلفزيونية حاصل على شهادة في الإخراج والإنتاج السينمائي من بريطانيا. تعمل في AP الاسيوشيتد برس كما عملت في الكثير من الفضائيات العربية والعراقية ، تكتب باللغتين العربية والانگليزية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد