الشاعر صلاح حسن يسأل .. لماذا الاجساد علامات غروب ؟


 

توقفت لوهلة مترددا هل للأجساد علامات وان كان ماذا يريد السيلاوي في قصيدته علامات الغروب التي كانت تكتب في مطلعها سؤالا يقول .. لماذا الاجساد علامات غروب ؟

هي قصيدة للشاعر العراقي صلاح حسن السيلاوي وكما قرأتها انها ولادة متعسرة لحياة كتبت علينا ووجدناها كما هي بلون احمر حتى اسعفني شاعرنا بتلك الكلمات التي وصف فيها القصيدة ومناسبتها حيث قال : علامات غروب هي قصيدة قصيرة كنت اتناول فيها ذلك الوجع العراقي المتمثل بغروب الجسد العراقي عبر حروب وعنف متكرر ، وهي إحدى قصائدي التي اعتز بها واعدها واحدة من القصائد التي تمثل اندماجي الذاتي بالمجتمع وآلامه خاصة وان كل عراقي تقريبا عاش حربا او حربين او اكثر ورأى ما يمكن ان تزدحم به الذاكرة من دم وحزن وشمَّ كثيرا من الدخان حتى امتلأت رئتاه بكثير من الرماد المتطاير من احتراق بلادنا وأهلنا .

يختصر السيلاوي بكلماته التي اوجز بها تاريخ العراق والكثير من علامات الاستفهام والسؤال يدور حولها في قصيدته التي يختزل بها وجعي ووجع كل عراقي وما يدور من حروب وويلات لتكون الاجساد هي العلامات والغروب ذلك الرحيل الذي لا ننتظر منه عودة ولا استغرب حينما يضع جسورا في قوله :

لماذا الاجساد علامات غروب ؟
والطرقات أجراسها ؟ . . .
لماذا لهاثُ الرغبة رائحة َ بارود
والكلمات العالية تتهاوى
على آثار المخالب في القلوب ؟ . . .

اهي جسور الهروب ام هي جسور لإنقاذ ما يمكن انقاذة , هنا يجيب لماذا (لهاث الغربة رائحة البارود ). وهو عتب وإجابة وتوضيح لتلك الجسور وهنا نقف في مفترق طرق حيث لو كانت رائحة البارود من الغرباء وهو صحيح او تكون هرب الى الغربة لكن لازال يخرج في زفيره رائحة البارود واعتقد بان الشاعر اوصل بان البارود جاء من الغرباء .وتلك هي المخالب التي دخلت القلب . وهنا التاريخ كله يشهد بان الغرباء من خارج العراق كانت لهم الحصة الاكبر في تدمير العراق والخراب والموت الذي حل وانا اصر بان التاريخ يكتب من هذه القصيدة التي اختزلت صفحات كثيرة . ثم نتوقف في مكان اخر في قوله :

حيث الاجسام
توغل بشرفاتها
في حرارة الدم
والمساءات أكثف ظلمة
من انطفاء شموع الارامل
والطرقات
ممسوسة بالرحيل

الدم والظلمة وشموع الارامل كلمات ليست غريبة وليست قاسية على مسامعنا في العراق كونها اصبحت من واقعنا المرير الذي يشهد حروبا كثيرة واحدة تلو الاخرى لتكون الاجساد هي الحطب الذي يسعر تلك النار ويغذيها وأصبحنا ندمن رائحة البارود وقوله الطرقات ممسوسة بالرحيل نعم الكثير من الشبان بين قتيل وبين مهاجر شبان بعمر الزهور اباء اجداد وأحفاد اخذت الحروب منا الكثير والكثير بما يدمي القلب , لينهي الشاعر هذا المقطع بكلمة طالما نكررها ( لماذا ) .

تلك صور متحركة ليست صورا شعرية بل افلاما وثائقية وصور متحركة نشاهدها يوميا ونتخيلها مع حركة الحروف ومع نطق الكلمات واليوم يحولها السيلاوي الى ارشفة تاريخية وملاحم تحدث يوميا نطقتها قصيدة جمع حروفها شاعر .ثم يقول :

لماذا ؟ . . .
تتدحرج من أعمارها المنكوبة
الايام التي تدور على حزنها
ايام الاحياء
المحبوسة في جثث السراب
ايام المدن التي
تغرق اسماؤها بمحبرة الموت


وأنا لا أرى الشعر بهذا المعيار الضيق ، الشعر حياة سابحة بين الأرواح والأفكار تلك كانت مقتطفات من قول الشاعر التي اجد لها هنا مسببات ومناسبة حيث جعلنا نسبح في فلك العبارات وننتقل بين الخيال والحقيقة لنصنع افق غزير ومفتوح وكما تلك العبارات التتدحرج من اعمارها المنكوبة الا يختصر هنا الزمن الا نقف هنا والدمع في اطراف عيوننا حتى ينتقل الى الحواري والإحياء والمدن ليخبر الجميع بان الموات في كل مكان وسبقها بكلمة لتكون عنوان وهي منكوبة حتى تغرق في الموت ولم يقل مثل ما قلت بل قال تغرق اسماؤها بمحبرة الموت حيث الحبر والغرق والكلمات تغطس فتصبح بلون الحبر الذي وصفه بالموت الا ترجعنا الى الروايات العالمية والطرق التي تمتلئ بالجثث من مرض الطاعون وهناك مصاصي

الدماء يتنقلون من مكان الى اخر ليرينا منظر البشاعة ويصور لنا الطرقات والمدن هنا صلاح السيلاوي كان رؤاي بحق .ثم يقول :

الايام المعقودة بتجاعيد
النسوة المنكسرات
بسلال أدعيتهن عند أبواب الالهة . . .
تخثر الدمع بهمسه على ملامحهن
حيث لا جذور في القلوب
لا رطوبة في يد الساقي

لتكتمل الرواية بصورها ينقلنا الشاعر الى الشخوص ويذهب الى من هو اكثر ايلاما وهو الام الموجوعة والزوجة والأخت الذي وصفهم بالنسوة وقال منكسرات ومفجوعات من رحل عنها زوجها او ابوها او ولدها او من لم يمت لها احد لكن هدم دارها او هجرت او سبيت فكانت الاماكن المقدسة ملاذهن وهن يتجمعن ويتضرعن للباري عز وجل وتجدهن محنيات الظهور مجعدات الوجوه كما يصف بتخثر الدمع على وجوهن وبانت الملامح حيث لا تعرف بان تلك العجوز التي تتكئ على عكاز بنت الثلاثين وليست بنت الثمانين فقد غيرتها ملامح الموت الذي حل بنا , يصور المعاني وانأ استذكر المواقف وأتصفح تلك الوجوه وارى غبار الزمن يلون وجوهن . ثم قال :

لا فضاء لمد الأصابع
لا أفق لدوران عيون اليتامى
في عالم يعيش بين نفايات اللغة
عالم مكتوب على الفراغ فراغا
على الشجر غرابا اعورا
على زي جزار
على جيوبه الملطخة بدمع الذبائح

لا مكان يحوي هذه الايدي ولا اشخاص تنجيهم ويصور ذلك بعيون الايتام التي تبحث عن معيل ويسبقها تريد الامان الذي نبحث جميعا عنه يصور ويبدع في انتاج كم غزير من الصور الشعرية المتناغمة حينما يصف الجزار لوحي لنا بالفاعل والقاتل وهو يساعد الفقراء ويمسح على رؤوس الايتام وعلى تلك الشجرة وغرابها الاعور الا يصور الشاعر بان الحظ ليس مع العراق وان النحس يرافقنا حتى اخر القصيدة لم يقل دم الذبائح بل قال دمع وأشار هنا الى الظلم الذي لحق بالمذبوح وكلنا ذبحنا في هذا الوطن , وهنا توضح الرؤية لتكون الاجساد علامات غروب ونأمل ان تكون هناك شمس تشرق من جديد على بلدنا وتعطي الايتام الدفء والحنان وتمسح وجوه النسوة وتورق اشجار حرمت من ثمارها .

. فيما يتعلق بقصيدته النابضة بالدهشة التصويرية

فهي بحق نجوم تضيء مساءاتنا المظلمة يمتلك قدرة رائعة على تصوير الأشياء وتطويع الكلمات وتوظيفها في فلسفة ا لواقع أدبيا .

علامات الغروب ….للشاعر صلاح حسن السيلاوي

لماذا الاجساد علامات غروب ؟
والطرقات أجراسها ؟ . . .
لماذا لهاثُ الرغبة رائحة َ بارود
والكلمات العالية تتهاوى
على آثار المخالب في القلوب ؟ . . .
لا شهيق
سوى المنكسر نوره
حيث الاجسام
توغل بشرفاتها
في حرارة الدم
والمساءات أكثف ظلمة
من انطفاء شموع الارامل
والطرقات
ممسوسة بالرحيل
لماذا ؟ . . .
تتدحرج من أعمارها المنكوبة
الايام التي تدور على حزنها
ايام الاحياء
المحبوسة في جثث السراب
ايام المدن التي
تغرق اسماؤها بمحبرة الموت
الايام المعقودة بتجاعيد
النسوة المنكسرات
بسلال أدعيتهن عند أبواب الالهة . . .
تخثر الدمع بهمسه على ملامحهن
حيث لا جذور في القلوب
لا رطوبة في يد الساقي
حيث تبتهج الاصنام بابتساماتها
والبيوت مدروسة بنثيث الظلام
لا فضاء لمد الأصابع
لا أفق لدوران عيون اليتامى
في عالم يعيش بين نفايات اللغة
عالم مكتوب على الفراغ فراغا
على الشجر غرابا اعورا
على زي جزار
على جيوبه الملطخة بدمع الذبائح

لا تعليقات

اترك رد