الذات… الهوية… التشتت في تجربة الشاعر يوسف الصائغ – الجزء الثاني

 

الانتماء بوصفه ظاهرة

من أكثر الإشكاليات التي تعرضت لها الشخصية العراقية المبدعة، إشكالية الانتماء التي تحيل على اختلاط النظرة بين ما هو إبداعي بما هو آيديولوجي، وهذا الخلط يسبب -في أحيان كثيرة- تغييب دور المبدع، مع أهميته بالنسبة إلى خارطة الإبداع العربي.
وتنبع الإشكالية من الولاء للفكر والمعتقد من جهة والتخلّي عنه من جهة أخرى، فما إن يتخلى الشاعر عنه ويتنازل حتى يُتّهم بأكثر من تهمة من دون أن ينظر الآخر إلى أسباب هذا التخلي والتنازل.

وهنا لا ننوي الدّفاع عن المنحى الآيديولوجي ليوسف الصائغ، وإنما نسعى إلى الكشف عن الأسباب التي أفضت بالصائغ إلى التحوّل، وهذا –بالنتيجة- ينبع من سلسلة المواقف والنكسات التي مرّ بها الشاعر، والتي أوصلته إلى هذه الدرجة من الإيمان بالشيء، بمعنى اتّساع الهوّة بين الشيء والإيمان به.
وقبل أن نناقش هذه القضايا من موقف خارجي، سنحاول أن نجتهد في بيان هذه الملامح عن طريق إبداعه الذي ظهر واضحاً في تجسيد فكرة عدم الانتماء والإيمان بالشيء، وقد تجسّد الموقف صراحة في مسرحيته “الباب”، وروايته “المسافة”، إذ يزيد بأن من يقول – من خلال عمله المسرحي- الباب:
إنّ ما يكتبه الشخص ويؤمن به، يمكن رفضه في -مرة أخرى- تتعارض مع موقفه الشخصي، إذ يقول الشخص -الشخصية المسرحية- الذي رفض الموت مع إقراره بذلك عند موت الحبيبة:

هو: لا حاجة للقراءة…. لقد كتبت ذلك… أجل… ومع هذا أشعر الساعة بينكم أنني غير مسؤول عنه، فهو لا ينتمي لي، كأنّما كتبه شخص غيري(7).

إذ إن قوله: “شخص غيري” يجسّد صدق الرؤيا، في أنّ هذا الموقف المسرحي يعبر بالنتيجة عن إحساس المبدع أمام المواقف التي اتّخذها وتنازل عنها.
والموقف نفسه -قبل ذلك- في رواية المسافة، إذ تتخلّى الشخصية الروائية عن موقفها الفكري والانتمائي أمام فكرة الموت، لينفذ -الشخص- ما يُطلب منه، فيعذِّب صديقه:

همس: اقتلني….. ستكون بطلاً إن فعلت
– ولكن…….
– كلّ شيء سيُمحى، وسنعود أصدقاء من جديد.
– ولكن….
كنت أضغط على رقبته…. وكان مطر ما يسقط في مكان من روحي…. مطر ولذة تعدل السقوط والخيبة واليأس…. كانت الحياة تنخر في صدري”.. آه…. إه…. كنا بدائيين مثل الخطيئة الأولى
وصوته……… إع…. خ… خ……. وعندما انتهى كل شيء أحسست بالراحة”….. وبدأ مطرٌ كثيرٌ بالسقوط(8).

إنّ تجسد فكرة عدم الانتماء والإيمان بالشيء داخل العمل الإبداعي يكشف لنا عن قلق الشاعر أمام فكرة الانتماء للشيء والموت من أجله.
أما الموقف من جانب خارجي -خارج الإبداع – فقد ظهر واضحاً بسبب الأزمات التي مرّ بها الشاعر :
1- موت الحبيبة الأولى (جولي).
2- العذابات التي لحقت به في سجن نقرة السلمان.
3- نكسة حزيران وما سببته من خيبات.
4- المضايقات المستمرة في عهد الديكتاتور في المدة الأولى لحكمه إلى حين إعلان براءته.

هذه المواقف خلقت لديه إحساساً بعدم الإيمان بكل فكر يمكن أن يوصله إلى الموت، لذلك تخلّى عن كلّ شيء، والمواقف الخارجية، هي التي سحبت يوسف إلى تجريب فكرة عدم الانتماء داخل العمل الإبداعي.
في الأخير يجب أن لا نؤمن بأن سرّ العبقرية الإبداعية هي التي تؤدي بالمبدع إلى مثل هذا التصرف -كما يقول مصطفى سويف-: “إن الصراع الذي تتعرض له الشخصية بين أهدافها الخاصة والهدف المشترك للجماعة يمكن أن يكون منشأ العبقرية”(9)؛ لأن يوسف طوال حياته الإبداعية ظلّ مدافعاً عن قضايانا، اقرأ على سبيل المثال قصيدة “رياح بني مازن” وقصيدة “مالك بن الريب”(10)، وخروج يوسف عن انتمائه لم يبعده عن الوطن:

أنا لا أنظرُ
من ثقب الباب
إلى وطني
لكنْ
أنظر من قلب مثقوبْ
وأميز
بين الحب الغالبِ
والحب المغلوبْ(11)

اليسار.. وتقليم المختلف:

وتبقى إشكالية الثقافة في العراق التي تحمل صفة اليسار حاضرة في الذاكرة عندما تعرضت إلى جملة من الإرهاصات بسبب الموقف السلبي منها عند ظهور الأحزاب القومية التي دفعت باتجاه تقليم الآيديولوجيات المختلفة، وهذا ما دفع المثقف اليساري في العراق إلى دفع ضريبة كبيرة أساسها القناعة بشكل الدولة المدنية التي تحترم أساس المواطنة والقانون، وتقف بالضّدّ من كلّ ما هو نمطي وتقليدي، وتبتعد عن سلطة التراث التي ترسّخ التقاليد والأعراف وتقدس التاريخ الإشكالي، وتقدّمه للحاضر على أساس المنطق الذي لا بدّ أن يكون حاضراً في هذه الحياة. ومرّت الثقافة العراقية بعد الجبهة الوطنية بين الشيوعيين والبعثيين بجملة من الإرهاصات التي دفعت بالكثير من المثقفين إلى الهجرة، وطلب اللجوء، ممّا دفع بالشاعر يوسف الصائغ بعد الملاحقة والاعتقال في قصر النهاية والتعذيب(12) إلى كتابة تلك المقدمة (مقدمة لقصيدة عن حبٍّ فاشل) التي نشرها في جريدة الثورة(13)، بعد انتظار أربع سنوات من 1979 إلى 1983 من دون مخلّص أو منقذ، وهذا ما دفعه إلى النزوع نحو فكرة التخلّي، والدفاع عن فكرة (المنهار) في الحياة والثقافة، بمعنى القناعة بفكرة الخائن البطل، والصامد/ المنهار، والانتقال بينهما بوصفهما وجوداً حياً لتمثّلات الحياة واللحظة والحاضر.

الاعتراف بوصفه انهياراً ثقافياً وأخلاقياً

تقوم الثقافة الكنائسية التي تشّكل من خلالها الشاعر يوسف الصائغ على أساس الاعتراف المذنب/ البريء، والخطيئة/ التكفير، والخائن والبطل، هذه الثقافة التي تجذّرت في داخله دفعته إلى تبني كثيراً منها في مجمل أعماله التي تنحو على هذه الشاكلة، على النحو الذي جعل من صورة القوّة التي نريدها غير مستقرة ومتحركة ومعرضة للزوال والتحوّل، وإن قوة ضاغطة من نوع بوليسي لم ولن تبقي الإنسان على تلك القوّة المتوخاة من الفهم العقائدي في الديانات المتطرفة التي تجعل من التسامح والاعتذار والاعتراف علامة للخيانة والخذلان، وهذا يدلّ على أن شكل الثقافة المسيحية التي شكّلت الصائغ، هي غيرها التي تشكّلت عند مثقف من ديانة أخرى تنظر إلى الحقّ والعدالة بمنظار لا يقبل المرونة.
قصة الحبّ الفاشل محاولة من الصائغ من أجل تبرير ضياع حزب بكامله (الحزب الشيوعي العراقي) وهزيمة وطن، بحيث نجد مفردة الأخلاق في النصين تتكرّر كثيراً، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على زعزعة الثّقة بالذات، والهزيمة الداخلية.
ومن جهة أخرى وجدنا تحولاً في رؤية الأشياء واختلافاً جذرياً في تصوّر الثابت والمتحول في تجربة القناعة والانتماء الحزبي، ذلك كلّه بسبب بوليسية السلوك والأداء والملاحقة، وتعرض كثير من المثقفين إلى التعذيب في سجن نقرة السلمان، والحلة، وكركوك، هذا كلّه أسهم في عودة تلك الروح الجامحة إلى ذاتها المستكينة (وما يحدث من تغير، فإنّما يحدث للمحافظة على هذه الذات الثابتة اللا متغيرة)(14)، وهذا دليل على أن ذات الإنسان الداخلية تتجه نحو الثابت، مع أن هذا القياس مرفوض عند الكثيرين (إنّ ما درج الإنسان عليه وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي، فلا شيء ينتسب إلى فطرته سوى ما تدعوه إليه طبيعته الخالصة التي لم يمسّها التغيير، ومنه كانت العادة أو أسباب العبودية)(15)، وتدفعه هذه العودة إلى البحث عن الأسباب التي تدعو إلى التبرير، والتبرير منطق آخر دفاعي تجاه اتجاه المختلف الذي ما يزال في جموحه، لذلك وجدنا الشاعر يقول: (إنّ الأحزاب ليست سجوناً)، بهذا المنطق التبريري يسعى الشاعر إلى إيجاد لغة من نوع آخر محاولة منه إلى تأكيد استقلاله ، مع تأكيد الابتعاد عن فكرة اندماج الذات في الكل/ الحزب.
جاء في المقدمة التي كتبها بعد رحلة ضغوطات مارسها الحزب الحاكم جملة من التساؤلات التي تعلن في داخلها عن إجابة عن معنى الانهيار والانكسار، بحيث دفعه ذلك إلى القول: إنّ هذه الحرب مقدّسة، ويظهر لي إن هذا القول لا يختلف عن تبريره لمنطق الوقوف مع الوطن، ومع ذلك أجد الصائغ -في هذا- قد أبعد المعنى الإنساني ليشترك مع طموح الديكتاتور في تحويل هذه الحرب من اللاقدسة إلى القداسة، وهي إشارة -في الوقت ذاته- إلى إشكالية وضع سياسي مربك دفع بكثير إلى ايجاد منطق للتبرير خارج سياق العقل، والسؤال بعد هذا كلّه، من صاحب الحق في هذا الوضع الشائك؟
الأنصار في الجبل (شيوعيون، وأكراد، وأحزاب أخرى) أم أولادنا الذين زُجوا في تلك الحرب بالقوّة، وهل يمكن قبول منطق تعدّد الجبهات ما بين العراقيين أنفسهم (الشيوعيين، والجيش العراقي، والأكراد العراقيين والجيش العراقي، وحركة المجاهدين والجيش العراقي، وحزب الدعوة والجيش العراقي) أم الجيش العراقي والجيش الإيراني؟
إنّ المقدمة محاولة شائك في فضاء شائك للبحث عن خلاص وسط ملاحقات بوليسية، وتضمنت المقدّمة اسم (السيد الرئيس) وقد أبلغني الصائغ، بأنّ جملة السيد الرئيس هي من إضافة الشاعر حميد سعيد.
وتقدّم جملة (تراني أنفقت من حياتي كلّ هذا القدر، من أجل أن تطوح بي الأحداث في النهاية، فإذا بي وحيد وصامت ومعزول، لا دور لي في حياة بلدي ولا في نضاله ولا في مستقبله… لا عزاء لي غير التذكّر والندم)، إقراراً ضمنيا للدلالة على تخلّي الأصدقاء عن الوقوف إلى جانب يوسف بعد رحيلهم إلى المنافي والغربة، وأعتقد أن هذه الجملة بمنزلة الواقع الحقيقي ليوسف الصائغ الذي دفعه الى ذلك بما تضمنته من مفردة (وحيد، وصامت، ومعزول، وندم).
واعتقد أن من الأسباب التي جعلت أصدقاء الصائغ في الحزب الشيوعي يشتمونه ولا يقيمون له مراسم تأبين بعد رحيله في اتّحاد الأدباء، بسبب تلك المقدمة التي صدرت عنه، فكانت أشبه بالصّدمة، وهم يحملون في منافيهم خيبة أملهم من وطن ضائع.
حاول الصائغ في هذه المقدّمة إلى التخلص من ضغط البعث، ليمرّر إلى صدام ما فيه من ضيق وملاحقة، لذلك قال: أستنجد بصدام حسين، وكلمة (أستنجد) تدلّ على الانهيار النفسي والروحي، وتشير في الوقت ذاته إلى التوسل برجل تمثّل كلمة الاستنجاد جزءاً من ثقافته البدوية التي تأخذ دور المخلص والمنقذ، ففي ثقافة التجمعات البشرية العشائرية والبدوية، تفعل كلمة (أستنجد) دورها السريع أمام الكلمات الأخرى: (ففي هذا الظرف كنت أجد نفسي، ملزماً بأن أستنجد، بذاك الرجل الذي أوحى لي بأن الشجاعة التي وصفها، أمر ممكن لمن هو مثلي، وميسور..
مرات خطر لي أن لأستنجد بصدام حسين…
أتوقف هنا رويداً..
لست أنوي أن أنافس أحداً في امتداح صدّام حسين..
لن يغنيه ذلك.. ولن يجديني…
ولكني أريد أن أتحدّث عن قناعة واضحة، هي أن المكابرين وحدَهم والمغفلين، وأهل السوء، هم الذين يجرؤون على إنكار حقيقة أن هذا الرّجل العراقي… أصبح،علامة فريدة في تأريخ هذا البلد وحاضره ومستقبله….).
وقوله: لست أنوي امتداح صدام، تمثيل لحالة الخجل من امتداح رجل لا يمتّ إلى قناعته بدرجة، وهي إشارة إلى عدم الرغبة في المديح، ولكن الضغط الذي كان ضدّه دفعه إلى ذلك.
جاء عام 1979 ليمثل لحظة الاعتقال في قصر النهاية(***)، وهي محاولة جديدة للضغط عليه، بحيث أجبره هذا على التخلّي عن حزبه الذي أحبه كثيراً (الحزب الشيوعي العراقي)، وإذا افترضنا أن المثقف -في صوره كلّها- هو مثقف عضوي، فإنني أجد أنّ قوّة ضغط السلطة، تفقد الكثير من الأشخاص كرامتهم وإحساسهم بالأشياء.
كما جاء في نص آخر بعد أيام، بمنزلة إجابة عن تساؤلات الشاعر عبد الرحمن طهمازي، كما أبلغني الشاعر نفسه للدلالة على لحظة التشتت الثقافي والعزلة التي أصابت المثقف العراقي، وهو جهد سعيت فيه إلى الكشف عن مصير الثقافة العراقية وإشكالية المثقف والسلطة وما رافق ذلك من ضياع وانهيار.
قدّم الصائغ المقالة الثانية (زهرة العقل والضمير والقلب)(16) بعد العتاب الذي جاءه من الشاعر عبد الرحمن طهمازي (ترى لماذا اعتبر صديقي (المفترض)، أنني حين نشرت مقالتي في جريدة الثورة، لم أراعِ الاعتبارات الأخلاقية التي ينبغي أن يراعيها كلّ الحريصين على أن ينزّهوا مواقفهم من الزلل؟)، والدليل على ذلك ما تضمنته المقالة الثانية من حوار بين شخصين بشأن الانتماء الحزبي والتحوّل من حزب إلى حزب آخر.
وترد جملة: (إنني لم أعد أطيق النصائح التي تغريني بالمهادنة والتأجيل، والانتظار.. لا أطيق ذلك لأسباب أخلاقية أيضاً) التي تضمنت مجموعة من الرسالة السرية للأصدقاء الذين ذهبوا إلى المنفى، وهي تؤشر -على نحوٍ تراتبي- لحظة الإقرار بما وصل إليه، إذ تبدأ الرسالة بكلمات ثلاث تدل على الانهيار، بحيث لم يستطع الاستمرار علـى هذا الوضع (مهادنة)، و(تأجيل)، و(انتظار) ، فانسحب إلى ما آل اليه من وضع، والانتظار إحالة على فعل الصبر في ظل جوٍّ بوليسي يلاحق المثقفين ويقتلهم.
وبعد هذا كلِّه نجد أن المقالة نشرت بعد مرور أربع سنوات على وجود السلطة.
تجربة الشاعر يوسف الصائغ من التجارب الرائدة في حركة الشعر العربي في فضاء الثنائيات، وصراع الأضداد، الذي لم يقتصر على أنموذجه الشعري، وإنما انسحب على كل تجاربه الإبداعية في القصة والرواية والمسرح، والصائغ من جيل بدا قريباً من التجريب والالتزام بالآيديولوجيا، لذلك وجدنا انشطاراً حادّاً عند شاعرنا في الاصطفاف إلى الأجيال، ومحاولة التمرّد على النمطية السياسية.

والصائغ ابن البيئة الإشكالية (الموصل) التي تركها ليستقر في بغداد، ليندرج ضمن جيل إبداعي يسعى إلى المدنية في ظل مناخ سياسي غير صحّي، دفعه بعد تجربة السجن والاتّهام إلى تبني فكرة الثنائيات والتنقل بينها، بمعنى قناعة الصائغ بفكرة الانتقال بين الثنائيات وعدم الاصطفاف إلى طرف دون طرف اخر، وهذا يؤكد عدم قناعة الشاعر مع عدم إيمانه:

ذبحتم غزالاً أكلتم.. وصمنا
وعزّت علينا عيون الغزال

والصائغ علامة فارقة قدّمت للثقافة العراقية كثيراً من الإضاءات لما فيها من لبس، ويقع هذا الشاعر الإشكالي في منطقة وضعت الثقافة في فضاء من الاتهام والإدانة:

التجار، ساموني،
وباعوني،
وكنتُ تجارة في السوقِ،
معلنةً..
وكنتُ..
فإنْ رخصتُ عليكَ،
بِعْني..
ماذا يهمُّ؟
لقد تكاثرتِ الجراحُ،
بجسمِ مَيْتٍ…
لا لعمركَ..
فالجراحُ، هي المضيّعةُ المواتُ..
وما يموت الجسم مني (17)

وأحسب ان الإدانة التي تعرض لها كثير من الشعراء والمثقفين هي في أساسها خطأ سياسي انعكس على مجمل الحياة الاجتماعية الثقافية والحزبية، وما نراه من تحوّل عند كثيرٍ من المثقفين هو ليس امتياز التفكير الحر، وإنّما إرهصات الدولة البوليسية التي لاحقت المثقفين وعذبتهم وطاردتهم، ويوسف الصائغ لا يمثّل ذاته، وإنّما يمثّل أجيالاً ثقافية بكاملها تعرضت إلى كثير من المضايقات والملاحقات والاتهامات، فهو تاريخ من الانكسارات وتمثيلٌ حقيقيٌ لشكل الثقافة العراقية في زهوها وإخفاقها.

والموتُ..
كلّ الموتِ، عندي،
أنْ أهونَ،
ولا ترى، الميقاتَ، عيني…
رؤيا الرجال الصادقينَ..
أُحبُّكمْ..
إني أحبُّ الصادقينَ..
وقد مللتُ من الجلود النافخاتِ
الناصباتِ…
وحشوْ ما في الجلدِ،
من بَعْرٍ.. وتَبْنِ (18)

وتعرض الصائغ بعد مقدّمته التي نشرها في جريدة الثورة (مقدمة لقصيدة عن حبٍّ فاشل) إلى كثير من الإدانة؛ لأنّ تلك السطور التي جاءت في المقدمة فُهمت على أنها براءة من الحزب الذي كان ينتمي إليه (الحزب الشيوعي العراقي) في ظل دولة بوليسية استطاعت أن تحول الثقافة إلى سلعة ترويجية للدكتاتور ولتبرير منطق الحرب بين العراق وإيران:
أنا متعب..
ضائع..
بين رفضي لكم.. وحنيني إليكم
لهذا أموت
ونجد الصائغ قد ذهب مع هذا المذهب وتحوّل مع هذا التحوّل، واستدرك قبل رحيله عام 2006 حينما قام بحذف نصوص الحرب أجمعها ، واكتفى بالأشعار التي تعبّر عن الحس النبيل والإنساني(****).

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد