الديمقراطية المضادة – قراءة في الفيلم الامريكي سنودن


 

هل يمكن أن تشاهد فيلما سينمائيا وتتشوق لأحداثه ؛ وهو يعرض قصة معروفة حكايتها وأحداثها للكافة ، وتداولتها صحف العالم ومواقعه الإلكترونية ؟ وقبل أن تكون الإجابة بالنفي أو بالإيجاب ، سيكون الأمر في كلتا الحالتين محكوما بمشاهدة الفيلم نفسه ، وهو ما يفاجئنا في الفيلم الذي أخرجه “ويليام أوليفر ستون” وقد شارك أيضا في كتابة السيناريو الخاص بالفيلم ، وقد حاز به على جائزة الأوسكار، وهو الذي سبق له الفوز بثلاث جوائز أوسكار ، اثنتين منها للإخراج وجائزة للسيناريو . “ستون” مخرج معروف بانتقاده للمجتمع الأمريكي و سياسة الحكومة الأمريكية. فقد أخرج في العام 2006 فيلما عن أحداث 11 سبتمبر. وأيضا العديد من الأفلام منها فيلمه : “ولد في الرابع من يوليو” ، و فيلم “فصيلة” .

وجاء آخر أعماله الوثائقية هو الوثائقي الشهير “التاريخ غير المروي للولايات المتحدة”، وكلها توضح أنه مخرج ذو فكر خاص ، يخوض سينمائيا في الموضوعات السياسية الشائكة ، ويبحر في المسكوت عنه والمهمش .

يحكي فيلم ” سنودن ” قصة ” إدوارد سنودن ” المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية ، منذ فترة اجتيازه لتدريب عسكري ثم التحاقه بالمخابرات الأمريكية “سي آي إيه” قبل أن يفضح برنامج وكالة الأمن القومي للتجسس على الأمريكيين ويقدم ما لديه من معلومات للصحافة الأمريكية ثم يلوذ بالهرب إلى هونج كونج ، حيث تواصل مع الصحافة العالمية من خلال مراسل صحيفة ” الجارديان” البريطانية وصحيفة ” الواشنطن بوست ” الأمريكية ، اللتين نشرتا تفاصيل الفضيحة ، ومن ثم يهرب إلى روسيا التي تكون محطته الأخيرة في لجوء مؤقت لمدة ثلاث سنوات إلى روسيا التي منحته اللجوء في مايو سنة 2013. هربا من العديد من التهم .

لقد غادر ” سنودن ” البالغ 32 عاما أمريكا عام 2013م ، بعد جرأته الشديدة وتضحيته باستقراره الحياتي ، وتركه منزله الجميل في هاواي ، معلنا عن الانتهاكات

الإدارية الأمريكية لقوانين الخصوصية في الولايات المتحدة الأمريكية في حين رفعت الحكومة الأمريكية دعاوى قضائية ضده بتهمة تسريب معلومات سرية.

استطاع المخرج ” ستون ” أن يقدم سردا سينمائيا فريدا ماتعا ،مستندا إلى العديد من الكتب التي تناولتها ، وأشهرها الكتاب الذي اعتمد عليه الفيلم وهو كتاب هاردنغ: “ملفات سنودن: قصة أبرز الرجال المطلوبين في العالم من الداخل” والذي يحكي عن الأحداث و الملابسات المرافقة لتسريب سنودن للأسرار ، بجانب المادة الصحفية المستقاة من صحفيي غارديان الذين نشروا القصة ، ليتم الكشف بوضوح عن برامج الحكومة الأمريكية لمراقبة بيانات ملايين الأشخاص، تلك القضية التي أثّرت كثيرا على سمعة الحكومة الأمريكية وعلاقتها بالأمريكيين في آخر عشر سنوات.

وكانت الكارثة الأشد التي كشفتها الوثائق التي سربها سنودن وأربكت الحكومة الأمريكية و زادت من التوتر بينها و بين الدول الحليفة لها هي قيام واشنطن بالتنصت على المكالمات الخاصة بالقادة الأمريكيين و قادة الحلفاء ورؤساء الدول ، ناهيك عن عشرات الملايين من المكالمات الهاتفية ، والاطلاع على البيانات الإلكترونية الخاصة بالملايين في كافة أنحاء العالم .

لقد اعتمد السرد في هذا الفيلم على سيولة البنية الزمانية والمكانية ، بمعنى أنه انطلق من لحظة فرار سنودن إلى هونج كونج ، وتواصله مع مراسل الجارديان ، وعبر تقنية الارتداد ” الفلاش باك ” ، يستعيد سنودن أحداث حياته منذ أن كان حارسا للأمن في وكالة الأمن القومي ، ثم ترقّيه بشكل بارع في الوكالة ، بعدما أظهر قدراته البرمجية في ابتكار برامج لتحليل المعلومات ، بالرغم من عدم حصوله على شهادة الثانوية . ثم انتقل سنودن ،للعمل مع بعثة دبلوماسية في مدينة جنيف السويسرية، حيث تولى مسؤولية الحفاظ على أمن شبكة الكمبيوتر، مما أتاح له الوصول إلى مجموعة كبيرة من الوثائق السرية. ومع الكم الهائل من المعلومات التي توصل إليها، ومعرفته بعملاء وكالة الاستخبارات، شرع سنودن بالتفكير بعد ثلاثة أعوام بمدى صحة ما يقوم به وما رآه، وفكر في الكشف عن أسرار الحكومة حينها.

إلا أنه توقف عن كشف المعلومات التي بحوزته لأمرين : أولهما : أنه لم يرد أن يكشف معلومات عن أشخاص ممن كانت الاستخبارات تراقبهم ، ولم يرد أن يورطهم بالموضوع . والثاني : كان فوز باراك أوباما بالرئاسة الأميركية عام 2008 ، فمنحه بعض الأمل في تحقيق إصلاحات في المستقبل ، في قضايا الحريات .

في مايو 2013 م ، تقدم سنودن بإجازة من عمله بزعم أنه بحاجة لعلاج من مرض الصرع فسافر إلى هونغ كونغ ، ليعلن بصراحة أنه ضحّى براتب جيد يصل إلى مائتي ألف دولار سنوياً ، مؤثرا إعلام الشعب الأمريكي والعالم الحر ، بمدى الغدر بالديمقراطية الذي تمارسه وكالة الأمن القومي ومعها أجهزة الأمن الأمريكية.

تميز السرد في الفيلم بالتشويق ، والعناية بالتفاصيل الدقيقة لحياة سنودن ، فها نحن نراه في علاقته الحميمية مع زوجته ، وقد علق بصره بكاميرا حاسوبه ، متوقعا أن يكون مراقبا من خلال البرامج السرية . فعظمت المأساة في قلبه ، وأدرك حجم الكارثة التي يتكتم عليها ، بل ويعمل بها ويطور برامجها . وكانت صدمته أشد ، وهو يشاهد زميله في الوكالة ، يتجسس بكاميرا الحاسوب على فتاة عربية منقبة ، وهي تخلع ثيابها في غرفتها . فأشاح سنودن بوجهه ، ولكن زميله قال : كم كنت مشتاقا لمشاهدة ما يخفيه السواد . لقد ديست الأخلاق تحت أقدام موظفي الوكالة.

وفي فندقه بهونج كونج ، أخرج سنودن شريحة وقدمها إلى مراسل الجارديان ، وسرعان ما يرتد بنا السرد إلى واقعة نسخه للملفات عندما كان يعمل في الوكالة . فنشاهد سنودن يسارع بنسخ الملفات في غفلة من زملائه ، على شريحة إلكترونية وعندما يدخل بعض زملائه يكون قد انتهى من النسخ ، ويلقي بالشريحة في الأرض، ويظل زميله يتجول في الغرفة ، وما إن يغادر حتى يضع سنودن الشريحة في لعبة مكعبات ملونة ، والتي تكون وسيلته لتجاوز جهاز التفتيش الآلي بالأشعة ، عندما يلقيها مداعبا موظفي الجهاز ، فتتخطى الأشعة ، ويتلاعب بها الموظفون ، وما إن يخرج بها للهواء الطلق ، حتى يتنفس الصعداء ، ويتخذ قراره بالسفر ، فالكل يعلم بنوبات الصرع التي تصيبه ، وحرص رؤسائه على العلاج منه .

ينتهي الفيلم بتوثيق لمآلات سنودن وتنقله بين عدة دول ، قبل استقراره في روسيا، وهو يعلن لمواطنيه الأمريكيين أنه دافع عن ديمقراطيتهم وخصوصياتهم ، وكم كانت المفاجأة أن نصف إجمالي عمليات التجسس كانت على الداخل الأمريكي.

جاء إنتاج الفيلم العام 2016م ، بهدف الضغط على باراك أوباما – قبل انتهاء فترته الرئاسية الثانية – لإصدار عفو عن سنودن للعودة إلى أميركا ، فقد كانت نيته سليمة ، خاصة أن سنودن أعلن مرات أنه سكت عما رأى منذ العام 2008م ، لعل أوباما الديمقراطي بتوجهاته الإصلاحية الشعبوية أن يكون نصيرا له ، ولكنه اكتشف أنه أضعف كثيرا من المؤسسات الأمنية التي تحكم قبضتها على البلاد .

يثير هذا الفيلم قضايا أخرى تتصل بلب النظام الديمقراطي بشكل عام ، ففكرة الديمقراطية المطلقة / المثالية غير موجودة ، وقد كان سنودن واعيا لذلك ، ولكنه اعترض بشدة على اقتحام خصوصيات الناس ، ومراقبة هواتفهم ، فكل هذا مخالف للدستور الأمريكي . وتكون المفارقة أن ديانة سنودن المعلنة هي البوذية، وهذا معناه أنه ينتصر للديمقراطية بوصفها قيما إنسانية سامية ، بغض النظر عن الديانات السماوية أو الأرضية ، وربما يفسر هذا لجوؤه إلى هونج كونج في جنوب شرقي آسيا، موطن البوذية ، ثم اختباؤه في بعض بيوت الأسر البوذية الفقيرة ، عندما طاردته عناصر الأمن في هونج كونج ، قبل أن ينجح في الإفلات منها .

وهذا ما يفسر عنونتا لهذه المقالة بـ : “الديمقراطية المضادة ” ، والتي يعني ببساطة أن هناك نظاما ديمقراطيا مستقرا في الدول الديمقراطية العريقة ، ولكنها ديمقراطية ذات طبيعة وإجراءات روتينية ، ولها سقف لا تتجاوزه ، يتعلق بحريات كثيرة وحقوق الإنسان ، التي هي مطمح لنا بلاشك ، إلا أنها أقل مما يطالب بها أنصار الديمقراطية في الغرب ، الذين يواجهون المعضلة الأمنية بالمناداة الدائمة بحفظ الحقوق ، ومنع الاستغلال ، وحماية الأقليات واحترام عقائدها .

ومن هنا تأتي الديمقراطية المضادة التي تنتصر للديمقراطية الحقيقية ، لتحمي الحريات الشخصية والحريات العامة ، ولا تتورط في التجسس على الشخصيات السياسية في الداخل أو الخارج ، إلا في أطر يحددها القانون . وبعبارة أخرى ، عدم إطلاق يد سلطات الأمن والمخابرات تحت بند حماية الأمن القومي ، وسن قوانين

واضحة في هذا الشأن ، حتى لا تتحول خصوصيات الناس وحياتهم الخاصة وعلاقاتهم الحميمية إلى ملفات لدى أجهزة الأمن والمخابرات.

وهناك مفاجأة أخرى ، أظهرتها قضية سنودن ، عندما تعاملت الحكومات الغربية مثل (ألمانيا ، بريطانيا ، فرنسا ، إيطاليا ) وكذلك الحكومات العربية ( مثل مصر وليبيا ولبنان … ) ؛ تعاملت ببرود مع هذه الأنباء ، وكأنها قضية عادية في الدوائر المخابراتية وفي عوالم السياسة ، فبالرغم من التجسس على مكالمات الرؤساء أنفسهم، ناهيك عن مكالمات أفراد الشعب ، إلا أننا لم نر قطعا للعلاقات الدبلوماسية، أو استدعاء سفراء ، وإنما كانت هناك مناشدات وتوصيات خجولة، ويبدو أن أجهزة المخابرات في الدول الكبرى تتخذ من برامج التجسس وسائل للحصول على المعلومات فيما بينها ، دون نكير أو اعتراض أو احتجاج .

ويبدو أن هناك تيارا ظاهرا على السطح ينادي بالحريات ويناصرها ، وهو تيار دعاة الديمقراطية ومنظماتها ، وهناك تيار آخر مخابراتي باطني يسير في مسارات سرية لا تنظر كثيرا للمعلن وإنما هي خاضعة لتوجهات أرباب السياسة ، وهو الذي يوجه الحكومات المستبدة ، ويؤيدها ، بل ويستخدمها في عملياته القذرة .

نقول هذا عن الدول الكبرى ، أما دول العالم الثالث والتي نحن منها ، فلا عزاء لها ولا لنا ، فعندما يتم التجسس علينا بمثل هذه البرامج لا يتحرك أحد ، كما أنه من الممنوعات – تقريبا إلا فيما ندر – إنتاج أفلام تناقش المشكلات السياسية ، لأن قضية الحرية – ببساطة – مغيبة عن خريطة الحكم والأمل في حياة ديمقراطية سليمة . وهذا مفهوم عقلا ، فالدولة فاقدة الشيء لا تعطيه ، فلا تهتم بالتالي بمن يتجسس على شعوبها أو حتى حكومتها ، فمفهوم الأمن لديها مقتصر على حالة الهدوء السياسية لتجعلها في استاتيكية دائمة والذي تسميه استقرارا .

أما مفهوم الحريات فهو منصب على حرية السلطة الحاكمة في قهر الشعوب بلا حساب من قضاء أو مراعاة لدستور ، ويمكن أن تجد لدى أجهزة أمنها الكثير من الملفات الخاصة عن المواطنين والشخصيات العامة والسياسية ، من أجل التهديد بها دوما ، والأمثلة لا تحصى . وعجبا لفيلم ” سنودن ” الذي أثار قضايا ترتبط مباشرة به في المجتمع الأمريكي ، وأيضا قضايا غير مباشرة تمس ما لدينا .

لا تعليقات

اترك رد