حَظ!

 

مقاطعُ صور للحظاتٍ مضتْ وتضاربُ توارد ذكرياتٍ مبعثرة تخطر على البال. صوت عالٍ لصراخ مجهول. ضحكات مريبة يشوبها الخوف، والرعب. أنفاس تتصاعد كأنفاس متسلقِ جبال… وصوت من خارج فضاء هذه البعثرة يُنادي – بنبرة رجاء – أنْ يفيق ذلك الغائب عن الوعي:
– علي! علي! لا تتركني. أنا وأطفالك سنموت بعدك، إنْ تركتنا يا علي!!
زوجتهُ تُناديه، ترجوه، تستحلفه.
لكن لماذا…؟!
لخوفها من أنْ تُجرِّب تلك الخنقة. لرعبها من تلك الأصوات التي تغزوا غفوته. لخوفها أنْ تتسلَّق أنفاسها إلى قمة جبلٍ شاهق فيهوي بها إلى أسفل نهاية القدر.
كان هذا ما يدور برأس ذلك المُختنق.
وهو في عزِ غيابه عن اللوم، استطاع أنْ يلوم رجاء زوجته.. فتح عينيه بصعوبة، والغشاوة قد احتلتْ بصره.
ملامحُ غير مُرتَّبة،. تخترقها ابتسامة عريضة، لامرأة غير منتظمة الحركة. تذهب وتجيء وكأنَّها تنقل بُشارة استيقاظه هنا، وهناك.
طبيب يعبث بأجهزةٍ على جانب السرير وكأنَّه ينظِّم سير عملٍ ما.
أمه العجوز تُخفي دموعها خلف أصواتٍ أطلقتها متتالية ًبتنسيق، كتعبير عن فرحتها.
إخوته بين باكٍ بدموع الفرح وبين مُنتحبٍ لخطبٍ ما.
تبددتْ تلكَ الغشاوة، لتُجيب على تساؤلات تزاحمت برأس علي، حين بدأ الألم يغزوه شيئاً فيشئاً، ليصبح عند ساقهِ المبتورة.
صاح بصوت يملؤه الشجن، والحزن على ما فقد. وكلمات التهوين عليه من الحاضرين لا تُجدي نفعاً.
سأل زوجته، التي هانتْ عليها نوائب الدُنيا بعودة أنفاس زوجها:
– ما الذي جرى؟ وكيف حصل هذا؟!
– علي! لقد تفجَّرت عبوة ناسفة قرب مقر الجيش، الذي ذهبتَ إليه قاصداً التطوُّع. وكنتَ محظوظاً لأنَّك نجوتَ من بين زملائك.
علي:
– أي حظٍ هذا، الذي اختار لي العيش مبتور الساقِ، والقدم قبل أنْ أخطو خَطوات المنتشي بالنصر؟!

لا تعليقات

اترك رد