الأشجار تبكي


 

مقولة لطالما سمعتها وقرأتها وآمنّت بها .. و أن تجدد الأشجار ذاتها وتخلع حلتها كل عام لتكتسي بغيرها .. هذا أيضا أعرفه جيداً … أن تزهر أو تثمر أو تحزن لعام أو أكثر وتمنتع عن الثمر أيضاً هذا في يقيني حاجة روحية لهذه الكائنات التي تبدو أحياناً مفرطة الحساسية لكل مايدور في عالمها .. لكن أن تبكي الأشجار هذا ما لم أعلمه سابقاً قبل هذه الحادثة ..
كانت تصر على دعوتي على فنجان القهوة أغلب الصباحات .. ولاتتقبل أعذاري بسهولة أي تكن .. متعللة دوما .. معك سيارة ماأسهل مجيئك وماأسرعه ..
هي عمتي أو أمي الثانية إن أردت أن أنصف العلاقة والصلة بيننا … تمرغت في أحضان حبها طويلاً في صغري قبل أن تتزوج و تغادرنا .. ويالحزن قلبي الصغير ذاك اليوم .. مازلت أتذكره حتى اللحظة … رغم أنني كنت في السابعة من العمر يومها .. لكنني كنت كطفلة انتزعوها بالقوة عن صدر أمها … و أجبروها على الفطام و هي أحوج مايكون له .. كحاجة القلب الأجرد للدفء .. كان صعباً علي و شاقاً جداً أن أترك بيت أجدادي وأعود لحضن أهلي الحقيقيين …. أنا التي عشت كل ماسبق بعيداً عنهم … مازالت عمتي تلك تعتبرني أكبر أولادها .. وتحرص على الإطمئنان علي على الدوام رغم تباعد المسافات وتواجدها تحت نيران الحرب حتى اليوم ..
بيتها جميل ذو طابع عربي .. تفوح من أرضه رائحة أزهار النارنج والليمون والبرتقال في أوائل الشتاء .. وفي الربيع يعبق برائحة الجوري والريحان والحبق وأزهار وورود لا أعلم أسماؤها .. دوما ماأسألها عنها فتعطيني أسماء غريبة أنساها في حينها ..
في الأيام المشمسة من الشتاء تصر على مجيئي .. فالجلسة في أرض الدار جميلة تحت عريشة العنب .. هناك تصطف الكراسي والطاولات الصغيرة وتدور فناجين القهوة والأحاديث المتنوعة ويعلو صوت الضحكات .. درجة أظن فيها أن دالية العنب تلك تشاركنا كل أسرارنا الصغيرة والكبيرة التي تدور بيننا وقد يخطر ببالها ذات غضب أن تبوح بالكثير مما تعرف .. تعلم كل مايفرحنا وما يحزننا .. قد تعودت هي علينا وجلستنا ..
في أخر فترة لي وقبل الرحيل .. وفي جلستنا المعتادة .. رغم أن الطيران يومها لم يتوقف عن التحليق ولا القصف .. والذي يبدو أننا أيضا تعودناه … لاحظت أن الماء يسيل من ساق الشجرة ويمتد على طول فروعها من بداية الساق وحتى أخر غصن ظاهر منها .. أثار ذلك عجبي ولم أجد له تفسيراً ..
سألتها : عمتي ماهذا الذي يسيل من الشجرة .. !؟
ردت : لا أدري ..
ربما هي تبكي من الألم ..
سألتها : تتحدثين جادة أنت .. وماالذي آلمها هكذا .. !؟
ردت قائلة : منذ يومين أردنا أن نعلق ساتراً هنا .. ربطنا طرفه في بداية السلم الحجري الصاعد للأعلى .. و الطرف الأخر وصلوه بالشجرة ولكن عن طريق مسمار دق في ساق الشجرة .. ومن لحظتها وهي بهذا الشكل .. رغم أننا خلعنا المسمار مباشرة . لكنها لم تتوقف .. وكل يوم أحدثها وأعتذر منها على سوء مافعلنا بها ورغم ذلك لم تتوقف ..
أترين ياابنتي .. حتى الأشجار تتألم وتبكي .. مثل الإنسان تماما .. لكن الفرق بينها وبينه ..أنه يؤذيها ويبكيها .. في حين هي لاتفعل به ذلك .. بل تجود عليه بكل الخير ..
تلك الشجرة بقيت هكذا حتى لحظة مغادرتي الأخيرة .. تركتها تبكي وجعها .. و لربما هي حزينة على مُصاب الوطن أيضاً ..
صورة للشجرة لا أنساها ولم أشهدها من قبل أيضاً .. قد كان مشهداً مثيراً ومؤثراً أيضاً ..
يبدو أننا جميعا كائنات لانحتاج لأكثر من مسمار يدق في نعش أرواحنا .. لتهطل دموعنا وتغتسل العيون …

1 تعليقك

  1. انها صنع الله ما شاء صور لا نستغرب ان تحدثت ليس فقط بكت شكرا لكلماتكم التي تابعناها بشغف

اترك رد