حوار مع الشاعر والقاص المبدع : حاتم قاسم


 

حين تصبح القصيدة شبكة من المعارف والعلوم وحين يتحول الشعر إلى حصان مشاكس تغيب الأحاسيس وتتموضع المشاعر في قالب حجري….تغيب العصافير وترحل السنونو وتتكسر الورود على سيقانها ويصبح السحاب بطعم الحنظل…وكأن الحياة قاطرة حزن ينبعث منها عفن الصمت الإنساني

س1_في حريق الأيام الراحلة نود التعرف على طفولة الشاعر ويفاعته الرافلة بالحب .
_ طفولتي هي عبق الماضي الذي يفيض بالحب فيعيد للذاكرة أنفاسها العذبة ، فالمخيم بكل تفاصيله يرسمني بين أبجدية اللون و أسئلة طفولية لم تنسني زرقة البحر في يافا و لا سمك المشط في بحيرة طبريا ، و على أجنحة الفراشات يكبر حلم العودة المتجذر فينا لحنا دافئ الايقاع ويبقى الشوق أكبر من قوافي الشعر .

س2_أنت شاعر خبر القصيدة الشعرية بكل أشكالها…عجنت شعرك من عبق الحياة وخبزته في تنور شاعريتك الفياضة….كيف تقوم تجربة الشعر بعد هذه المسيرة الحياتية الطويلة؟
_ إن الشعر حصان مشاكس وعندما نتذوق الشعر نحكم على عبقرية الشاعر من خلال الصور الابداعية و الرموز الايحائية وفق مقاييس جمالية تقدم رؤية جديدة للتراث الأدبي حتى لا يكرر الشاعر نفسه ومن هذا المنطلق أرى ان التجربة الشعرية هي تعبير و انفعال صادق يترجم أحاسيس الشاعر بصور واقعية تربط بين الفكر و الوجدان فتمر القصيدة بثلاث محطات رئيسية تبدأ بمرحلة المخاض ثم المرحلة الجنينية ثم مرحلة الولادة ولكل شاعر بصمة مميزة بما تفيض به نفسه من انفعالات تحقق الانسجام بين عناصر التجربة الشعرية ( الفكر و الوجدان و الصورة التعبيرية ).

س3_ للشعر مرتبة سامقة بين الفنون الشعرية….يقال :انها تراجعت لصالح الخطاب القصصي القصير. ما مدى صحة هذا القول ؟
_ لكل فن من الفنون الأدبية مساحات من الضوء و فضاءات متعددة لكل منها أدواته و تقنياته ، فكان الشعر ديوان العرب وله رواده و نقاده و محبوه ، مثلما للقصة القصيرة فضاءات استطاعت ان تواكب بفنها السردي مشروعية الوجود ، ولكن المؤسف هو أن أغلب المسابقات الأدبية هي من نصيب كتاب الرواية وهذا كان العامل الأبرز في حجب نجومية الاقصوصة ، ومن ناحية ثانية تراجع الشعر أمام القصة القصيرة التي تشد الناس بأسلوبها السردي وهنا نضع علامة استفهام نكشف في مضامينها عن أسباب العجز الذي آلت إليه القصيدة في مواكبة الحدث وسبر أغوار الواقع بموشور يتعدى ابعاد اللون و بوابات النخبة المثقفة .

س4_الشعراء مراتب ومنازل….من برأيك في عهدنا المعاصر يستحق لقب الشاعرية؟
لكل شاعر بصمة لامعة في الشعر العربي و الذي يستحق اللقب هو الذي تجد أبياته تأخذ طريقها في ذاكرة المتلقي فيكون أنموذجا فريدا في المستويين الجمالي و المعرفي ، وظاهرة الألقاب من خلال المسابقات الشعرية هي سوق نخاسة يعتريها الكثير من الغموض الذي لا يمس الجوهر و لا يعبر عنه فتعطي نتائج ومقاييس غير دقيقة و غير صادقة .

س5_ أعترف ويعترف الكثيرون انك شاعر مبدع …فمن أين رفرف الإبداع بجناحين على نصوصك الشعرية؟
القصيدة هي فكرة تولد في مرحلة المخاض و تنمو بشرود ذهني في مرحلة الطور الجنيني ويترجمها العقل واقعا على الورق برغبة تتعدى اللاشعور إلى واقع يكتنفه التأمل وقصائدي هي ترجمة صادقة لمشاعري التي يغلب عليها الطابع الانساني والشوق و الحنين للوطن .

س6_دأب النقاد على وسم الشعر بالحداثة او القدم وصنفوا الشعراء بين مجدد وتقليدي…من من الشعراء الذين يحملون لواء التجديد في شعرنا العربي؟
كانت البداية على يد نازك الملائكة وقصيدة الكوليرا و بدر شكر السياب في قصيدة هل كان حبا و نزار قباني و محمود درويش و محمد الفيتوري ..وغيرهم

س7_لكل شاعر نصه الخاص به وبصمته الشعرية الخاصة …هل تعتقد أن النصوص الشعرية المعاصر ة قد أصبحت نصا شعريا واحدا بسبب التناص بينها؟
_ إن مفهوم التناص مرتبط بالادب الغربي فكل عملية اقتباس و تضمين اتكأ فيها الشاعر على نصوص قديمة لتعميق فكرته و تقديمها للمتلقي بصورة جديدة و رؤيا عميقة لتجديد روح القصيدة في بنيتها التركيبية و الدلالية لا تنفي الاصل بل تعيد صياغته من جديد ، فتنوعت تناصات الشعراء بتنوع أفكارهم .
ورغم هذا التنوع فتجارب الشعراء المعاصرين تكرر نفسها من خلال عملية التناص الشعري.

س8_مع أن البيان العربي .الشعر…قد تميز بتفوق على كل ما كتبه غيرنا من الشعوب الأخرى قديما….فما باله اليوم يستقي نظرياتهم من الغرب والشرق؟
_إن العلاقة بين الشعر العربي و الشعر الغربي تنطلق من التلاقح المعرفي
وعملية التأثر و التأثير في ابراز المظاهر الجمالية للشعر العربي باستخدام الأساطير اليونانية و الفينيقية و البابلية كرمز معرفي ومن خلال استخدام المظاهر الجمالية للشعر العربي كرمز دلالي ومعرفي يواكب الحضارة بوسائل الشعر القديم من خلال توظيف التشبيه و الاستعارة و التجريد تبرز ملامحها الفنية وهنا لا نجد ديوان شعر يخلو من هذه الايحاءات
و الرموز والذائقة الأدبية بطبيعتها الثقافية هي تسبر اغوار النص وتحدد مدى تداخل النصوص ( التناصية ) .

س9_ يعرف اصدقاؤك في الشعر أن لديك ابداعات في فن القصة ….هلا اتحفتنا بالحديث عن قصصك
_( من ليمون إلى قمر .. الورد وصل )
قصة على مرايا الذاكرة تتراكم في شغاف القلب و تحمل في طياتها نبضات المعاناة لشعبنا الفلسطيني و حلم العودة و تقرير المصير .

س-10في محطتنا الاخيرة نود من الشاعر والقاص المبدع حاتم قاسم ان يتحفنا بقصيدة تعبر عن روح الشاعر السابحة في الحب الإنساني بكل أبعاده و قصة قصيرة يسجلها في نهاية الحوار
_ الأم و الوطن هما نبض القلب ومن هذين التوءمين يفيض الحب الانساني

……….

يا ضوء عيني بالسرير تهزني
فتهز روحي كي أنام و أغفلا
و يدان تمسح بالنسيم حرارتي
فتصد عن شجري حريقا مذهلا
طفلا أراني و الدموع قصيدتي
لكن بحرك بالبشاشة اقبلا
لي شاطئ لي جنة في عرضها
لي ملعب كم عشت فيه مدللا
أواه لو قلبي اشتكى من علة
ما غض طرفك مرة أو أجفلا

………….. …..

قصة قصيرة يعنوان
( من ليمون إلى قمر .. الورد وصل )

استفاق من نومه باكراً على غير عادته أخرج بعض أوراقه المخبأة تحت وسادته بدأ يتمحصها واحدة تلو الأخرى و استقرت فرائسه على واحدة أمعن فيها النظر جلياً !!! خبأها في جيبه و أعاد أوراقه الباقية إلى محفظته … كانت خطواته تشده إلى أشجار الكينا المجاورة ، هناك أسند ظهره إليها و أخرج الورقة ثانية و طفق يحملق في أساريرها
– لا أدري لعلها رسالة من أمه التي طالما بعثت له تطمئن عليه… و لربما كانت من خطيبته التي هي الأخرى أرقها الشوق بلقائه ،كانت عيناه تتنقلان بين السطور و تحملقان في الأفق البعيد و زقزقة العصافير لم تغادر حضورها اليومي ، اتجهت إليه بينما كانت عيناه قد فاضت بالدموع و بسرعة البرق أعاد الرسالة إلى جيبه ، قلت بذهول : أهي من أمك ؟؟

– و بصوت متهدج تعلوه بحة قال : لا

-ثم ابتسمت و قلت له مداعباً : يا عم ( نيالك .. يضرب الحب شو بيزل يا محمود )
نهض كالنسر و مسح دموعه ثم علت وجنتيه ابتسامة خفيفة، اقترب مني ووضع يده على كتفي متنهداً ثم قال : ( البحر حد عكا ) و أخرج من جيبه سلسالاً ذهبياً كتب عليه حرفان : ( م ) + ( ي ) ثم قال لي هذه أمانة عندك
و باستغراب يعلوه استفهام : وماذا أفعل به ؟؟ اندفع بخطواته الواسعة و قامته الممشوقة باتجاه الغرفة
تبعته إلى هناك و هو يفتح محفظته و يخرج منديلاً مزركشاً كانت رائحة العطر تفوح من جنباته.. أخذ السلسال من يدي ووضعه داخل المنديل و قال : هذه الأمانة !!!
رغم براعة فرائسي إلا أنني لم أفهم شيئاً وكانت تدور في مخيلتي أسئلة كثيرة تبحث عن جواب !!
انهال عليَّ يقبلني قائلاً : لقد حان وقت الوداع
– إلى أين يا محمود ؟؟!!!
– إلى الالتحاق بقطعتي الجديدة
كان يوماً غير عادي فقد اعتاد أن يحتسي فنجان قهوته الصباحي على سريره بينما يتعالى دخان سجائره في بهو الغرفة ، قلت في غصة ٍ : لا بد أنك تمزح … و الأمانة ماذا أفعل بها ؟؟!!
و كتدفق السيل من منحدر اندفع إلى صدري و ضمني إلى صدره و بثقة الصديق المحب لأخيه قال بابتسامة تعلو وجنتيه :
– قد تطول إجازتي هذه المرة ، فقد اشتريتهما البارحة .. فالمنديل لأمي .. والسلسال لخطيبتي
ربت على كتفي مودعاً بينما فاضت عيناه بالدموع و هو يودعني قائلاً : أعرف أن لحظة الوداع صعبة ٌو تعزُ عليَّ كما تعزُ عليك و لكنه القدر .
حزم أمتعته ثم قال ….. :
_ أستودعك برعاية الله
المشهد لا يفارق مخيلتي و أنا أتتبع خطواته الواعدة على درب ٍ طويل مليء بالمشقة فالطريق الوعرة و الحواجز المنصوبة هنا و هناك تتراءى أمام ناظريه و هو يحملق في الأفق البعيد ،عدت أدراجي إلى الغرفة يخالطني إحساس غريب فصورته العلقة على أوردة الذاكرة مازالت تنبض بدفء حركاته و سرعان ما استيقظت من شعوري على رنين جهاز اللاسلكي و هو يخاطبني :
نداء…..نداء…..نداء….
من ليمون إلى قمر .. هل تسمعني ؟؟؟
و بسرعة البرق ركضت و أمسكت بالسماعة : نعم أسمعك
الورد وصل .. الورد وصل
_من قمر إلى ليمون وصلت رسالتكم

وضعت جهاز اللاسلكي على ظهري و اتجهت إلى أشـــجار الكينا المجــــــاورة كان صــــوت العم ( أبو ثائر) يبدد وحشة الليل بغنائه الجميل فأغاني الدلعونا و الميجنا و يا ظريف الطول تترامى إلى مسمعي كل يوم فأنتشي طرباً و لكنها اليوم لها طعم آخر ، لعل أشعة القمر تشاركني روعة المشهد لكنها هي الأخرى تبدو حزينة على فراق الأحبة ، سادت برهة من الصمت انقطع فيها الغناء و إذا بالعم ( أبو ثائر ) يربت على كتفي :
_الغربة مرة و الأمر منها الوداع
_هانت ( كلها أسبوع و يأتي دورك في الإجازة )
كنت أدرك مغزى كلماته التي تعصف برأسي مثل حجر الطاحون فكل واحد منا يودع الآخر تماما كغربة العربات التي يجرها قطار واحدو تترامى على محطات متعددة و سكك مختلفة ،
كانت بسمة العم أبو ثائر تشد عافيتي و أغاني الدلعونا تعطر ليليَ الطويل و مضت الأيام تعركنا برحاها و قبل يوم واحد من موعد إجازتي كان صوت اللاسلكي يزأر : نداء.. نداء .. نداء
من ليمون إلى قمر..علم بلادي مرفوع،
كانت أصابعي تتوجس الحيطة و الحذر و هي تخط حروفها المرتعشة على الصفحة البيضاء و ما إن انتهت الرسالة حتى فاضت عيناي بالدموع و انطلقت بسرعة البرق خارج الغرفة
كان الصوت يجاوبه الصدى : ياعم( أبو ثائر ) ياعم( أبو ثائر )
و يأتيني الجواب سريعاً على عجل من بعيد :
_ مابك .. ما بك… ما بك
هل حدث شيء ؟؟؟؟؟
أمسكني العم أبو ثائر و ضمني إلى صدره ولكن الكلمات كانت أسرع من دقات القلب :
_ محمود استشهد .. محمووود
و لم أجد نفسي إلا بين يديه و هو يهزني من كتفي قائلاً :
_ماذا تقول ؟؟!! ماذا تقول ؟؟!!
الله يرحمك يا محمود
انطلقت جنازة الشهيد و أكاليل الورد من كل حدب و صوب ،تقدمت من أمه العجوز … انحنيت و قبلت رأسها و بنبرة تغطيها الدموع كنت أواسيها : – خالتي محمود شهيد .. محمود عريس
مسحت دموعها و أخرجت المنديل وضعته أمامها و باستغراب قالت :
ما هذا يا بني ؟؟ !!
– سلسال ذهبي تركه محمود أمانة لخطيبته و أما المنديل فهو لك يا خالتي
علت زغردة من شفتيها المتعبتين _المهر غالي يا محمود ..المهر غالي يما .. غالي يما
انطلقت زغاريد النسوة بينما كان نعش الشهيد يوارى إلى مثواه الأخير

والى لقاء أدبي واعد
حاوره المستشار الأدبي: حسين علي الهنداوي

……….حاتم قاسم : شاعر من فلسطين عايش النكبات والنكسات التي عانى منها الفلسطينيون..رسم معاناته ورودا شعرية واهداها لابناء شعبه

من دواوينه للشعرية

لا تعليقات

اترك رد