تشغيل القاصرات في البيوت التونسية آفة يجب التخلص منها !


 

تعد ظاهرة تشغيل الأطفال القاصرين انتهاكا صارخا لحقوق الانسان , الا أنها تشهد تزايدا ملحوظا في المجتمع التونسي وذلك لٍارتباطها أساسا بالفقر وبتردي الأوضاع المعيشية والٍاقتصادية . لقد باتت هذه الظاهرة مشكلة تضاف ٍالى مشكلاتنا المستعصية التي تحتاج ٍالى حل حاسم وسريع , وبدأت تنتشر وتتوسع في الآونة الأخيرة وخاصة بعد “الثورة” وتتخذ أشكالا عديدة , من أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسديا ونفسانيا للقيام بها , لاسيما ظاهرة تشغيل الفتيات القاصرات كخادمات في البيوت التونسية .

وبالرغم من أن القانون التونسي يمنع تشغيل الأطفال دون السن القانونية , باعتباره يشكل استغلالا اقتصاديا , فان هذه ظاهرة تشغيل القاصرات في البيوت أضحت منتشرة بكثرة في مجتمعنا , مما يستدعي دق ناقوس الخطر من أجل العمل على التخلص منها . فما هي أهم العوامل والأسباب الجوهرية التي تؤدي الى تفشي هذه الظاهرة في بلادنا ؟ وهل تكتفي القوانين وحدها لمعالجة هذه الظاهرة ؟ أم أن الٍاشكالية هي تفعيل آليات القوانين وليس في سنها فقط ؟ وماهي الانتهاكات التي تتعرض لها هذه الفئة ؟
لاشك أن ظاهرة تشغيل القاصرات كخادمات في البيوت تمثل أسوأ وأبشع أشكال تشغيل الأطفال , فهي وصمة عار في وجه المجتمع وبمثابة ٍاجرام المجتمع في حق هذه الطفولة , مما يترتب عنها نتائج سلبية لاتؤثر فقط على هاته الصغيرات ولكن على المجتمع برمته . ورغم أن تونس تعد أول دولة مغاربية تمنع تشغيل من هم أقل من 18 سنة في المنازل ( الفصل 19 من القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ) , الا أن الظاهرة لازالت منتشرة بكثرة في الشمال الغربي من البلاد وخاصة في منطقة فرنانة وعين دراهم .
وغير خاف على أحد أن هذه الظاهرة تتخذ منحى تصاعديا , رغم كل التشريعات التي تجرمها وكل عمليات التحسيس التي تقوم بها العديد من الجمعيات ومكونات المجتمع المدني , مما يؤكد ضعف وعدم فعالية المقاربات التي تناولت هذه القضية . والسؤال الذي يطرح نفسه , الخادمة الصغيرة ضحية من ؟ ضحية أسرة تسترزق بطفولة فلذات أكبادها ؟ ضحية واقع الفقر والتهميش وقلة ذات اليد ؟ أم ضحية اختلال اجتماعي واقتصادي تعيشه بلادنا ؟

لاغرو في ذلك أنه مادامت هناك أزمة اقتصادية واجتماعية , فثالوث الخطر الفقر والأمية والتخلف ساهم في انتشارها وجعلها تتنامى , هي حكاية تبدأ من مناطق مهمشة منسية داخل تونس , حيث نشأت هذه الطفلة في وسط أسرة فقيرة معدمة , أرغمها العوز وقلة ذات اليد ٍالى الدفع ببناتها للعمل في بيوت أناس غرباء في المدينة , وعليهم فقط أن يدفعوا عند نهاية كل شهر قدرا من المال , غالبا ما يكون زهيدا , لكنه قد يساعد في سد بعض حاجيات الأسرة ومتطلباتها . وبالرغم أن المكان الطبيعي لهذه الطفلة هو المدرسة , فٍان الٍاكراهات الٍاقتصادية والٍاجتماعية فرضت على العديد من الصغيرات أن ينخرطن في “سوق الشغل ” في المنازل من أجل تلبية حاجيات أسرهن . أي نعم فتيات في عمر الزهور تتحولن من تلميذات ٍالى خادمات في البيوت , لا يعرفن فيها أحد من أجل الخدمة لساعات طويلة , بعيدات عن الأهل والأخوة وحنان الأم , تاركات حلم انهاء الدراسة وايجاد عمل حقيقي وعيش طفولة من كل الأطفال أن لا يحرموا منها بسبب الفقر والبطالة وكبر سن الوالدين !

فهذه الظاهرة المشينة في حق تلك الصغيرات , لم تحل لا من طرف المواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس , ولا من طرف القوانين التي تدينها وتجرمها, ولا من شعارات الجمعيات المناهضة لتشغيل هذه الفتيات , ولا الحق في التعليم واجباريته من انقاذهن من هذا الواقع البائس ! فالظروف القاسية والأوضاع الٍاقتصادية والمادية للأسر الفقيرة والمعوزة تبقى الدافع الأساسي ٍالى حرق المراحل العمرية لهذه الصغيرات , وجعلهن يتحملن بقوة الأمر الواقع ضخامة المسؤوليات الأسرية في وقت مبكر , وما يعج به من مظاهر العنف الجسدي والٍاغتصاب الجنسي والذل والمهانة , مما يترتب عنها من نتائج وانعكاسات سلبية لا تؤثر فقط عليهن ولكن على المجتمع ككل .
من المؤكد أن تلك الترسانة القانونية الخاصة بحقوق الطفل ومنع تشغيله في تونس تبقى عاجزة عن توفير الحماية لهذه الشرائح البريئة وضمان حقوقها وصيانة كرامتها واسماع صوتها , نظرا للسرية التي تحيط بهذه الظاهرة ولسهولة عملية الٍانتداب , التي تخضع الى سوق يحكمها العرض والطلب بين العائلات والسماسرة والمشغلين . وبالتالي هذه السرية تحجب امكانية الحصول على الأرقام الدقيقة التي تعبرعن حجم هذه الظاهرة , فلقد كشفت دراسة أجرتها جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية , أن هناك 20 ألف خادمة قاصر في تونس , في حين أكدت المسؤولة بالاتحاد العام التونسي للشغل ( على قناة نسمة يوم الاثنين 30 أكتوبر 2017 ) أن عددهن في حدود 78 ألفا . والصادم والمفزع أن تشغيل هذه الصغيرات أصبح تجارة مربحة , تمتهنها شبكة من الوسطاء خاصة في مناطق الشمال الغربي من البلاد , وهذا طبعا ينضوي ضمن قانون الاتجار بالبشر الذي يقضي ” بمنع كل أشكال استغلال الأطفال ومكافحتها وزجر مرتكبيها وحماية ضحاياه ” , فتشغيل طفل وحرمانه من التكوين يعرض مرتكبيها الى عقوبات جزائية تصل الى السجن 5 سنوات , لكن في صورة استثمار العائلات في أبنائها وتعتبرهم مصدرا للحصول على عائدات مالية , فمن الذي سيقاضي هؤلاء ؟؟؟ ومن ثم فان القانون غير قادر على محاربة والحد من هذه الظاهرة أو حتى ضبطها !

فما الحل ؟
من الثابت أن الاشكال الحقيقي لجريمة تشغيل القاصرات , يتعلق أساسا بالتنمية والتكوين . وأنه من الضروري معالجتها من جذورها , فلابد من محاربة الفقر والهشاشة والتهميش وتوفير البنيات الأساسية في هذه المناطق المهمشة , لتسهيل تمدرس الفتيات ومحاربة الانقطاع المدرسي في صفوفهن , دون الاغفال عن تحسيس الأسر المعوزة وآباء الصغيرات بأحقية بناتهم في العيش بين أحضانهم والتمتع بالدراسة والعناية الأسرية . كما يجب تحسيس ربات البيوت بالٍاحجام عن تشغيل القاصرات , وهو ما سيساعد في تحمل آبائهن المسؤولية وتوفير العيش لأسرهم . وبالتالي يجب التأكيد على تضافر كل الجهود من سياسة عامة وفاعلين سياسيين ومجتمع مدني و ٍاعلام وكافة مكونات المجتمع للقضاء ومحاصرة هذه الآفة لانقاذ هذه الفئات البريئة وضمان حقوقها وصيانة كرامتها .

لا تعليقات

اترك رد