الزيارة الاربعينية .. الاستثمار في الطقس الديني

 

الزيارات المليونية خصوصا الزيارة الأربعينية في كربلاء العراق، تمثل اكبر مشاركة اسلامية يجتمع فيها ملايين الناس من مختلف دول العالم مثل ايران والسعودية والكويت والبحرين وسوريا ولبنان ومصر وتركيا وباكستان وافغانستان والهند اضافة لامريكا وأوروبا وأستراليا وبعض الدول الافريقية وتونس والجزائر والمغرب وليبيا، كما يشارك فيها عدد كبير من وسائل الاعلام العربية والأجنبية، وشخصيات فكرية وثقافية ودينية وسياسية واجتماعية.

هي بحق التجمع الاهم بعد فريضة الحجّ، ولولا ان شعيرة الحج تعتبر فريضة واجبة عند المسلمين الشيعة والسنة على السواء لكانت زيارة الاربعين في كربلاء الشعيرة الاعظم في الاسلام، من حيث قدرتها على استقطاب اكبر عدد من المسلمين في مكان واحد و وقت واحد.

زيارة كربلاء أوسع من الحج من حيث عدد الزوار الذي بلغ قرابة العشرين مليون زائر بحسب إحصاءات رسمية خلال العام الماضي رغم الظروف الأمنية غير المشجعة في العراق.

كما ان زيارة كربلاء اكثر تأثيرا وتضامنا وانسجاما من جهة الفعاليات والطقوس، اذ ان الممارسات (العاشورائية ) بشرية اكثر، ورمزيتها اقرب لحاجات انسان اليوم من جهة المشي لمسافات طويلة وسط ملايين الناس، دون التفكير بالطعام والخدمات الضرورية التي تقدمها مجانا مواكب معتمدة ومجازة رسميا من هيئة مختصة تابعة للعتبة الحسينية باشراف المرجعية الدينية وتوجيهها، فضلا عن الأناشيد والردات والقصائد وإيقاع طبول المواكب وغير ذلك من التفاصيل التي يصعب حصرها هنا.

ومن باب المقارنة يمنع على غير المسلمين المشاركة في طقوس الحج، والمساهمة في فعالياته، بل والحضور بحسب الشريعة الاسلامية والقوانين النافذة في المملكة العربية السعودية، بالمقابل يرحب الشيعة ( دينيا واجتماعيا) بمشاركة غير المسلمين في زيارة كربلاء، ما جعل الاف السياح والاعلاميين والباحثين والنشطاء من مختلف الديانات والتيارات الفكرية والإنسانية للمشاركة في هذه الزيارة وطقوسها، فضلا عن حرية الحركة والتفاعل الذي تتيحه القوانين العراقية للبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية.

اين تكمن أهمية كربلاء وتحدياتها؟

أهمية كربلاء انها تمثل طقسا اجتماعيا يعظم شأن الحسين الشهيد الثائر بوجه الظلم والاستبداد، والداعي للحرية والإصلاح، ولا يخضع هذا الطقس لنسق فقهي محدد ولا تفسير لاهوتي مغلق، بل يشتهر بين الشيعة والسنة ان الحسين الشهيد رمز انساني استشهد معه اشخاص غير مسلمين، اضافة للدور الريادي للمرأة في ملحمة كربلاء في المشاركة والنضال من اجل أهداف الحسين التحررية.

في سياق هذه الصيغة تتبلور طقوس وشعائر مفتوحة للتعبير عن التضامن مع المبادئ الحسينية، منها طهورية مثل مواكب العزاء والبكاء، ومنها خدمي مثل تقديم القرابين والطعام والخدمات الصحية والترفيهية لملايين الزائرين، ومنها المشاركة في المرثون الأضخم في العالم للمشي على الأقدام.

وكل هذه الجوانب مصدر الهام واعجاب وحاجة لانسان الحضارة الالكترونية المغرق بالحياة الرقمية المادية التي تفتقر لجوانب روحية تلبي حاجة الانسان للفعاليات المتصلة بالمطلق.

وتواجه فعاليات كربلاء عوامل مهمة لتصبح طقسا انسانيا عالميا منها:

اولا: الحد من محاولة بعض المأزومين عقائديا في اضفاء صبغة ايديولوجية على ثورة الحسين وخنقها في أهداف سياسية ضيقة تتطلع لها بعض الميليشيات والجماعات السياسية الدينية.

ثانيا: إشاعة الفكرة التقليدية عن مظلومية الحسين الثائر المعتمدة عند الشيعة، مع تنقيحها من حمولات الشخصانية، فالحسين الذي ورد عنه قوله( مثلي لا يبايع مثله..) في رفضه لبيعة يزيد بن معاوية اسس مبدأ عابرا لحدوده الشخصية وحدود يزيد بوصفه طاغية متهتكاً، الى قيمة إنسانية عابرة للزمن والدين والجغرافيا، كما يقول حفيد الحسين الامام جعفر الصادق ( كل ارض كربلاء وكل يوم عاشوراء..) ما يعني ان الثورة بوجه الظلم والاستبداد في اي زمان ومكان ومجتمع تمثل امتدادا حقيقيا لكربلاء في رمزيتها وان اي جريمة ابادة وانتهاك لإنسانية الانسان في العالم يعد امتدادا لعاشوراء في قسوتها على سِبْط الرسول واطفاله واصحابه.

ثالثا: ضبط إيقاع النزعة الطهورية في الشعائر الحسينية، اذ لا يعقل ان يحمل الاف الناس سيوفا ويضربون انفسهم في مشهد دموي بشع لا يستثنى منه الاطفال والنساء، لا يعقل ان يكون هذا المشهد تعبيرا عن ثورة تحررية اصلاحية، ولا يمكن ان يتم تبريره عقلائيا، فضلا عن حالات الأدماء والمشي على الجمر والغُلو بشخص السّبط الشهيد، وستبقى هذه الممارسات تنفر المراقبين لهذه الفعالية، وتبرر الانتقاص منها ومن المحتفين بها.

رابعا: اعتماد أهداف إنسانية منتجة في كل موسم من مواسم الزيارة مثل دعم مرضى السرطان او اطفال الشوارع او حماية البيئة او مساندة قضايا حقوق الانسان ومكافحة الأمية والامراض والفقر وتوفير الماء والغذاء لشعوب المجاعة في افريقيا وغيرها من القضايا الانسانية الكبرى .

خامسا: إقامة مهرجانات وجائزة قيمة سنويا باسم هذه الفعالية الكبيرة، تمنح للمدافعين عن الحرية وحقوق الانسان والمناهضين للظلم والاستبداد والعنف والإرهاب، في مجالات الدراسات والابحاث العلمية والاكاديمية والفنون والأعمال الإبداعية في الهندسة والطب والسينما والإغاثة وغيرها، تخصص اموالها من واردات الزيارات والعتبة الحسينية، باشراك المنظمات الدولية ذات العلاقة مثل اليونسكو وغيرها، على غرار جائزة نوبل وغيرها من الجوائز الدولية.

سادسا: اعتماد استراتيجيا لتنظيم الفعاليات لتحقيق تلك الأهداف يشرك فيها مراكز أبحاث دولية ومنظمات عالمية اضافة للحكومة العراقية والمؤسسات المدنية والهيئات الحسينية بإشراف المرجعية الدينية وإدارة العتبة الحسينية.

سابعا: اشراك مراكز اسلامية سنية في الاستشارة والتنظيم والفعاليات خصوصًا الأزهر وغيره من المرجعيات الدينية الكبرى، لتتجاوز هذه الشعيرة العظيمة شكلها المذهبي الطائفي.

ثامنا: تطوير العلاقات والحوارات مع الاديان الاخرى وخصوصا الفاتيكان، وإقامة مؤتمر عالمي موسع سنويا في ايام الزيارة في كربلاء يجمع ممثلين عن كافة الديانات والجماعات الدينية والعرقية والإثنية للحوار الإنساني اعتمادا على قيم الحرية والإصلاح التي ضحى من اجلها الحسين الشهيد.

هذه الافكار وغيرها تنطلق من الشعور العالي باهمية زيارة كربلاء ورمزيتها كـ( تراث عالمي غير مادي) لا اظن الامانة العامة للعتبة المقدسة غافلة عنها، خصوصا انها تعتمد برامج منشورة على موقع العتبة تؤدي هذه الاهداف بشكل مدروس ومنظم، لكن الهدف من هذه المقال هو التشجيع على أنسنة الشعائر والطقوس الدينية ذات الاثار الاجتماعية والاقتصادية والسياحية والروحية المؤثرة، علما ان هذه المواسم كفيلة بان تدرّ مدخولا اقتصاديا وتوفر بيئة استثمارية كبيرة جدا قد تضاهي الثروة النفطية لو تمت ادارتها بشكل سليم ورشيد.

لا تعليقات

اترك رد