وكالأشجار .. رحل واقفاً

 

_ فقط قبل عشرة أيام من تلك اللحظة كنت أحادثه على الهاتف كعادتنا، تكلمنا فى عدة موضوعات واتفقنا أن نلتقى لبحث الترتيبات الخاصة بها، ذهبت إليه ولكننى لم أجده، فقد أخلف موعده معى للمرة الأولى، كيف؟! وهو أحرص من رأيت فى حياتى على تقديس الوقت واحترام الوعد، فحينما كنت أحضر فى موعدى أبدو منتشياً، ولكن تتبدد نشوتى على الفور، ويتصبب الخجل من عيناى عندما أجده فى كل مرة حاضراً قبل موعدنا بعشرين أو ثلاثين دقيقة، فأبتسم له فى حياء فيعاجلنى بابتسامته الحانية الدافئة ليذيب خجلى ويبدده، ثم نتعانق ويشير إلىّ مُرَحِبَاً بالجلوس ومعززاً إشارته بصوته الرصين: “حمدالله ع السلامة يا أستاذ، إتفضل..اتفضل”، ثم يبدأ حديثه معى دائماً بالسؤال والاطمئنان على ابنتىّ وعلى كافة أفراد أسرتى، وبعدها نتبادل أطراف الحديث، نناقش قضايا الوطن التى لطالما رأيته مهموماً به، نتحدث عن كل شئ عن السياسة والتاريخ و الدين والفن والمجتمع بمشكلاته ومنجزاته عن القيم والأخلاق والناس والحياة، عاشقاً هو لمِصر مولعاً بها، دائماً يؤكد لى أنه لا يستطيع الابتعاد عنها إلا أياماً معدودات، لا يحتمل فكرة الاغتراب ولم يتسع صدره لغير هواءها إلا بضعة أيام، ثم يأتى إليها مسرعاً مهرولاً تاركاً خلفه صفوة البلاد والعباد.،

_ أجلس معه وأمامه مبهوراً مشدوهاً، فى أوقات كثيرة أحدث نفسى متسائلاً: هل أنا فعلاً أجلس معه وأكلمه، هل حقاً أنا فى رحاب هذا الإنسان الراقى وفى حضرة هذا الفنان العظيم الذى ساهم فى إثراء السينما المصرية والعربية بأعماله التى صارت علامات حُفِرَت فى العقول وحُفِظَت فى الصدور، وشكلت جزءاً أصيلاً من وجدان أمته، هل أجلس حقاً مع الذى أدار فى أفلامه ترسانة من أعظم وأشهر نجوم ونجمات الفن فى مِصر والوطن العربى، لم أبالغ أبداً عزيزى القارئ فى شعورى هذا الذى وصفت، بل إننى على العكس إختصرت الكثير منه واختذلت.

_ نعم.. فى موعدى أيضاً هذه المرة حضرت، ولكننى لم أجده كما تعودت، لم يأتى هذه المرة ولن يأتى مجدداً مثلما تأملت، فقد ارتبط بموعد آخر وللقاء أهم وأعظم تهيأ هو، أما أنا فتألمت ثم امتثلت،
_ والآن أجلس فى عزائه مسترجعاً ذكريات عشرون عاماً مضت فيما بيننا، إجتررت خيوط تلك السنوات من أعماق ذاكرتى واستحضرت كيف كان لقائى الأول به،
_ فى حينها كنت قد أتممت لتوى عامى العشرين وأصبحت على مشارف إنهاء المرحلة الجامعية، مُحملاً بآمالى الكبار وطموحاتى العريضة وحماسى الذى لا يفتر.. ذهبت لمهرجان السينما المصرية باحثاً عن يد تمتد إلىّ لتلتقط ما فى جعبتى من موهبة متقدة وحماس مشتعل، تقدمت إليه بجرأتى المعهودة وعن نفسى عرفت، بنبله المعتاد وبأخلاقه وسمو روحه أعارنى اهتماماً، ثم رقم هاتفه أعطانى، ووعدنى أيضاً بلقاء،
ومن تلك اللحظة عرفت أن الأقدار ساقتنى كى أُصقَل بمعرفة هذا المعدن النفيس،
توالت اللقاءات بين الإنسان والفنان الستينى الشهير العظيم وبين ذاك العشرينى النكرة الذى لا يعرفه أحد،
لم يُشعرنى يوماً بضآلتى أمامه، ولم يبدو لى إلا إنساناً حكيماً مجرداً من كِبر الدنيا وزخرفها وزيفها، توسم فىَّ الذكاء والموهبة، لم يبخل يوماً علىَّ بنصائحه وإرشاداته ، خبراته وخلاصة تجارب حياته، أربعون عاماً هو فارق العمر بيننا، ولكنه لم ينفر أبداً منى.. وإنما كالإبن والصديق والتلميذ عامَلنى،

_ وهكذا فما بين اللقاء والرحيل عشرون عاماً مضت،
أصبحت أنا على مشارف الأربعين من عمرى وصار هو على أبواب الثمانين، بدأبه وحماسته وطموحه الذى لا ينتهى كان يقارع الدنيا ويساجل أهلها بروحِ شاب ثلاثينى ناضج يمسك جيداً بأدوات ترويض تلك الحياة،
وكلما أخذتنى فى دواماتها وبين دروبها، أعود بعدها منهكاً.. لأجده ينتظرنى بإناء خبراته وحكمته وقيمه ومبادئه لأنهل وأتعلم مجدداً،
ثم كانت النهاية.. ورحل “الأستاذ”، رحل كما عاش دائماً، شامخاً راضياً،
_ عن الثروة الإنسانية والقيمة الفنية حدثتكم،
فكانت هذه كلماتى ومشاعرى وقصتى مع فقيد الوطن.. الإنسان والفنان والمخرج السينمائى المبدع “محمد راضى”.. الإنسان المفعم بكل قيم ومبادئ الإنسانية الحقة وبكل معانى الوطنية الخالصة، وبكل الإحساس بأهمية وخطورة الفن، لذا كانت المسؤلية المجتمعية محركاً حاضراً له أينما حل وحيثما أراد،
_ عن فارسٍ نبيلٍ نعته القوات المسلحة المصرية ببالغ الحزن والأسى، كواحد من رجال الوطن اللذين نالوا شرف تسجيل العبور مع القوات المسلحة في معركة الكرامة والشرف في السادس من أكتوبر 1973 .

_ فقالت القوات المسلحة في بيان عنها: “تأبى روح الفنان المحارب إلا أن تلحق برفاقها المقاتلين وفي نفس الشهر المجيد شهادة له بصدق النية واستجابة لدعواته عندما سجل أروع إبداعات المقاتل والفنان من على خط النار في أكتوبر، وتمنى أن يلحق بهم، كما أننا لن ننسى دور الفقيد في السينما الحربية، وأيضا أسلوبه فى معالجاته الدرامية لحالات المقاتلين والمواقف الإجتماعية والإنسانية في “أبناء الصمت” و”العمر لحظة” ورائعته “حائط البطولات” التى أتم بها ثلاثيته عن أكتوبر ليعبر بها كفنان وطني صادق أروع بطولات الفداء من أجل الوطن”.

_ وتابعت: “إذ ننعى اليوم واحداً من أستاذة السينما المهمومين بأشرف وأعظم قضايا الوطن والذي اتبع سبيل الوعي النابه والفهم الدقيق لدور الفن.. فندعو له بالرحمة والمغفرة ولأسرته بالصبر والسلوان، ونتقدم بعميق التقدير لاسم الفقيد ونثمن أعماله الرائعة طوال 50 عاما هي عمر مشواره الفنى التي ستكون نبراساً ونموذجاً يُقتدى به من بعده استكمالاً على درب الفن الوطني الصادق”

لا تعليقات

اترك رد