اخلاقيات بين الناقد والاديب – ج 2


 

نظرة في رسائل بين الدكتور علي جواد الطاهر والشاعر محمد مهدي الجواهري والشاعرة نازك الملائكة

الطاهر والملائكة
وقفات الطاهر النقدية مع شعر نازك الملائكة -1 –

يعد الطاهر نازك الملائكة اقرب شعراء الشعر الحر الى التراث، رغم انه لم يجد لها قصيدة عمودية موحدة القافية بالمعنى الموروث من القول، الا قصيدة واحدة متكونة من ستة عشر بيتاً على قافية واحدة دالية هي (جزيرة الوحي) تضمنها ديوانها عاشقة الليل

خذني الى العالم البعيد يازورق السحر والخلود

واما الباقي فهي قصائد مقطعات يتألف المقطع من بيتين ( يتقفى) فيها الصدر مع العجز او تتقافى الاعجاز فقط وقد يتألف من اربعة ابيات ولكل مقطع قافية خاصة به وقد يزيد على تناسق في العدد وعلى او على غير تناسق، ويرى الطاهر ان هذا دليل قصر النفس الشعري، وحرص الشاعرة على الشطرين والبحر الواحد والقافية الواحدة. رغم انه يبدو قد خرج على بناء القصيدة العربية لكنه يظل في ثنائيات ورباعيات، وهذا ما زاوله شعراء في العراق فضلا عن شعراء المهجر استجابة للتخفيف من ثقل القافية، بما يعرف ( بالشعر المقطعي)، اما مايمكن ان يسمى تغيرا فهو في شكل كتابة القصيدة على شكل شطور متوالية وكأن كل شطر سطر.

اما بداية تحول الشاعرة نحو الشعر الحر فيحدده الطاهر بعام 1947 حيث نظمت نازك الملائكة ( الكوليرا) شعرا حرا. ثم بدأت تخرج في عدد من قصائدها على الشكل التراثي للبيت العربي ذي الشطرين والعدد الثابت من التفعيلات في بعض القصائد التي تضمنها ديوانها (شظايا ورماد). اما في موضوع الريادة للشعر الحر بينها وبين السياب، فالطاهر يحسم الامر لصالح نازك الملائكة في قصيدتها الكوليرا مقابل قصيدة هل كان حبا للسياب لان قصيدة نازك ادخل في الحداثة، فالطاهر يعتقد ان نازك مؤهلة اكثر لريادة الشعر الحر في العراق لظهور عنصر

الذاتية والاستبطان والغموض وهي صفات يعدها الطاهر من مقومات الشعر الحر في اصله الفرنسي الاب الشرعي للرمزية.

واكثر ما تظهر هذه الصفات في شعر نازك هو في قصيدتها (الخيط المشدود الى شجرة السرو) من ديوانها (شظايا ورماد) 1948م. ويخص الطاهر هذه القصيدة بوقفة تحليلية لكل كلمة وجملة فيها ويرى انها تبدو واضحة ولكن فيها من الابهام ما يحول دون تحديد المطلوب او الغرض لكننا نشعر به اكثر مما نفهمه، ويذكر ان نازك طورت هذا الاسلوب في قصائد اخرى عام 1948م، في قصيدة (مر القطار والافعوان) وبذلك حلت نازك من الشعر الحر اعلى مراحله من الابهام الموحي الرمزي. وهذا بنظر الطاهر هو الاضافة الاكبر لنازك في موضوع الشعر الحر وقد اسماه (القصيدة المبهمة) بما تشيعه من جو فني في نفس القارئ ليس من السهل تحديده لايقترب منها في ذلك من رواد الشعر الحر العراقيين الا بلند الحيدري لكن هو اوضح واقوى لدى نازك.

واخيرا يقول الطاهر عن التناقض اوالاضطراب الذي وقعت فيه نازك الملائكة : (( اضطربت نازك الملائكة بسبب من اضطراب حياتها وتفكيرها وما ارادت او اريد لها ان تكون…وحلول قضايا مع اضطراب موهبتها ان -صح التعبير- بدلالة الاضطراب الخارجي بين الجودة والرداءة في الحر والعمود بل انها بلغت مالم تبلغه في العمود وحققت في شظايا ورماد مالم تحققه في شجرة القمر. اما عمقها الثقافي فقد طغت عليه الذاتية حينا. فاذا ظهر في حين ثان ظهر في العلم العروضي وفي توجيه هذا العلم لمصلحتها)).

فالطاهر يقف بنازك الملائكة عند (شظايا ورماد) و (قرارة الموجة) ويشير الى تأخرها في الاعمال اللاحقة، ورغم ذلك تظل عنده مع السياب من اهم من خدم الادب العربي كله.

نص رسالة نازك الملائكة للطاهر*

الكويت في 22 جمادي الاخرة 1398

29- 5- 1978 م

الاخ الشاعر الدكتور علي جواد الطاهر

تحية مباركة

ويسرني اكتب اليك هذه الرسالة وهي اول رسالة تتلقاها مني لانه لم يسبق لي ان تلقيت رسالة منك، وانا معتادة ان يبدأني الادباء بالكتابة لا ان ابدأهم أنا.

واكتب اليك لترسل مع كتابي هذا مجموعتي الشعرية الجديدة (للصلاة والثورة) وقد طبعتها دار العلم للملايين ببيروت، ارسلها هدية لك وانت زميلي السابق في كلية التربية، واحب ان تقرا شعري الجديد لعله يشعرك بان ((خطري على عبد الوهاب البياتي)) لم يزل باقيا كما كنت تتوقع عام 1972 عندما كنت تدافع عن شاعرك الجليل الجواهري. واؤكد لك ايها الاخ الشاعر الرقيق، انني لم اعد متأثرة من حكمك ذاك مع انه حكم قاسٍ خاصة واني كنت أذ ذاك قد انقطعت عن نظم الشعر على مدى ثلاث سنوات كما ستقرأ في مقدمة (( للصلاة والثورة)).

هذا وقد اصدرت لي وزارة الاعلام ببغداد مجموعة شعرية ثانية جديدة كان عنوانها(( يغير الوانه البحر)) ولابد ان تكون قد قرأتها، وهاتان المجموعتان تقدمان شعري الذي نظمته في عام 1973-1974 فقط ولدي الان مجموعة جديدة لم تطبع عنوانها ((دم على الزنابق)) فيها قصائد عام 1975- وبدأت الان مجموعة رابعة، ومن هذا ترى انني وفيرة الانتاج وانني قد اكون خطرة على اي شاعر تهتم به، اقول هذا ايها الزميل، على سبيل التنكيت والضحك، ولست احمل لك الا المودة الاخوية والتقدير.

ختاما اسأل الله ان يحفظك ويوفقك ويوفقنا جميعا.

نازك الملائكة

* 1- ينظر في اراء الطاهر حول شعر نازك الملائكة كتابه التراث والشعر الحر في الريادة العراقية ،علي جواد الطاهر ، دار الشؤون الثقافية ، 1986 ,96 .

لا تعليقات

اترك رد