تأفف من الكتابة واللون


 

1-

يلاحظ غياب الجرأة على مستوى النقد فيما يتعلق بالفنون التشكيلية بشتى أجناسها، هناك كتابات جادة لكنها مع الأسف لم تصل بالنقد إلى مستوى التقييم والحكم اللذان يبقيان ضروريان للقيام بعملية الفرز والتصنيف وتوضيح ماهو تعبير تشكيلي جاد وما هو غير صالح، يجتر صاحبه ويعيد ما شوهد من قبل. وأظن أن هذه حقيقة لم يعد بالإمكان قبولها أو التستر عليها. فكما تغيب الجرأة على مستوى الإبداع التشكيلي، إذ كلنا نفتح الكتب و المجلات الأجنبية، أو نزور متاحف و معارض نظمها الآخر، لتتحرك فينا شهوة التغيير ونزوة ” الإبداع” الذي غالبا ما يحمل بين ثناياه بصمات من الاتباع. فكما نحتاج إلى نقد جريء ينبني على مناهج نقدية واضحة، تتأسس على نظريات رصينة، نحتاج كذلك إلى نقد ذاتي أو نقد النقد، فليس كل ما يكتب أو ينطق به في مناسبات ثقافية يعتبر نقدا جيدا، خصوصا حينما تثقل الكتابات بألفاظ غير واضحة عسيرة الفهم، يشوبها اللبس والغموض، سفسطائية أكثر مما هي دالة، مما عقد الفهم لدى المتلقي الذي هو في حاجة الى توضيح ماهية الفن، وتقريبه من بوح العمل الفني. فأغلب زوار المعارض يسعون إلى الحصول على تعاريف واضحة ودقيقة لمصطلحات الفنون التشكيلية ومفاهيمها، إلى توضيح إشكالات الواقعي والتشبيهي، التمثيلي والتشكيلي، التجريدي والتشخيصي، الانطباعي والواقعي، لكن حينما يكون المتلقي في مواجهة عمل فني تشكيلي يشعر بتأفف قد يصل إلى عدم الرضا.

في افتتاحية لمجلة “الجديد” اللندنية كتب أحمد برقاوي يتساءل عن المثقف العربي، حين يرى أن التأفف الذي أصبح شعورا ملازما لذات المثقف العربي تعود أسبابه إلى”غياب ملحوظ عما يجب أن يقوم به في هذه المرحلة من التاريخ”، مرحلة تشظي الذات العربية ومحاولات مسح تاريخها وتقويض جميع المشاريع التي أثبتت بها وجودها وكينونتها. إن التساؤلات التي طرحها الكاتب حول المثقف العربي، لا يُستثنى منها الفنان والناقد التشكيلي اللذان باتا غائبين عما يدور حولهما من أحداث لدرجة أن المتلقي لا يرى فيهما “مصدرا لوعيه” وبالتالي “يشعر بغيابه” في ذهنه. هل حقا أن كل منهما يساهم، في الوقت الراهن، بشكل آن وفعال في مشاريع توعية المتلقي، أم أن هذا الأخير غير مكترث بالخطابات التشكيلية الملونة والمدونة التي زكمت خياشيمه إلى حد الثخمة؟ وحينما نتحدث عن المتلقي فإننا نقصد الجمهور، لكن أي جمهور بالضبط؟ أهو عامة الناس، أم خاصتهم؟ وهنا لاجدوى من الحديث عن عامة الناس الذين يصادفهم الفن التشكيلي ويصادفونه، رغما عنهم، عبر الإعلام المرئي، وهم يستقبلونه بنيات التحفظ والاشمئزاز قد تصل إلى الرفض والعزوف. إن الإحساسات السلبية هذه اتجاه الفن لاتفلت من قبضتها حتى خاصة الجمهور الذي تتفاوت ذائقته حينما تكون في مواجهة الفن والفنان. فلا هي فهمت الخطاب ولا استوعبت دلالاته، بل جاملت ورضيت واقتنعت، مكرهة، متجاهلة أن “الخطاب الذي يصدر عن مثقف هذه المرحلة أقل بكثير من شأن التاريخ الذي يُصْنع الآن”. وأخص بالذكر خطاب الفنان غير الملتزم وخطاب الناقد غير المصاحب.

وحتى نكون أكثر واقعية وموضوعية، نجزم بأن نوعية الخطاب الذي يواجه به الفنان حاليا جمهوره لايعير أي اهتمام ب”التاريخ الذي يصنع الآن” سواء على المستوى القطري أم فيما يعرفه العالم العربي من أحداث وتقلبات ستعيد تشكيل جغرافيته كما ستكتب من جديد تاريخه. إن الفنان وخصوصا المغربي، الذي يشكل استثناء على صعيد الوطن العربي، مازال قابعا في مشغله، منعزلا في برجه، يتلذذ بحلاوة الصبائغ ويشتم العبق الوافد عليه من التيارات الفنية، المتنوعة المُتوح والمرجعيات، التي تحملها الرياح عبر أمواج المتوسط. تجده قابعا على الشاطئ يتلقف الأشياء دون الكلمات، يلوك القشور ويطرح اللباب.

2-

لقد ولى عهد الفنان الملتزم، الواعي بهموم الإنسان وقضايا المجتمع، الفنان الذي كانت ريشته سُمَّا ينفثه في المُقلات المتربصة بأرضه وثقافته، بوجوده وإنسانيته. فعلى سبيل المثال، الكل يصنف الفنان المغربي مولاي الإدريسي (1924-1973)، في خانة الفن الفطري أو الفن الساذج، الفن الفاقد لوعييه، المقلد لأسياده في نظر الغرب، لكن ذلك الكل لايعرف شيئا ولو يسيرا عن وطنية هذا الفنان، والتزاماته السياسية بانتمائه إلى الحركة الوطنية، إلى جانب المناضل عبد الله إبراهيم. كل الذين تناولوا في كتاباتهم، سواء عبر المنابر الصحفية أو مؤلفات تؤرخ للتجربة التشكيلية المغربية، أعمال الفنان مولاي أحمد الادريسي وحياته، تناولوها من خلال لوحاته ورسوماته، وتجاهلوا، أو كانوا يجهلون بالمرة ما تركه من منحوتات شامخة، جد معبرة عن المقاومة الوطنية، وهذا ما نعتبره تقصيرا تعمده النقد، بل هو إجحاف زيَّف صورة التاريخ الحقيقية. أكتب هذه الكلمات وأنا متأكد أن المسؤولين عن الثقافة والفن أنفسهم تغيب عن أذهانهم تلك الأعمال النحتية الخالدة التي تركها مولاي أحمد الإدريسي تتآكل، بفضاء مشغله بحي الليمون بالرباط. وتعلو تلك الأعمال منحوتة تمثل الملك محمد الخامس على فرسه. إنها منحوتات شامخة، شيدها الفنان من الخرسانة والحديد خلال العقد الخامس من القرن العشرين، أي إبان فترة مابعد استقلال المغرب مباشرة. كان للمغرب إذا فنان رائد في النحت يعادل في التزامه ووطنيته، محمود مختار في مصر وجواد سليم في العراق. حقا أنه فنان عصامي، لم يتلق تكوينا أكاديميا كزميليه، يساعده على بلورة تقنيات النحت، لكن أعماله اخترقت بأشكالها وأحجامها وتعبيريتها القوية كل المناهج الأكاديمية ولم تبق سجينة الاجترار والتكرار، بل نجدها تحمل خطابا فاق التاريخ الذي كان يصنع آنذاك.

3-

إننا لانطالع لنفهم… وماتعج به المنابر الورقية والإلكترونية حول الفن يزيد الأمور تعقيدا. فحينما تقرأ مقالا نقديا عن أعمال فنان ما، تجده يتناول حياة الفنان من خلال انطباعات شخصية عن عمله، لاتفيد في شيء، أو تجد الكاتب يحكي شيئا من سيرة الفنان وعلاقته به، وكثيرا ما تكون الكتابة شبه ربورتاج عن المعرض أو المشغل.. ومن تم تجد عين الناقد تطوف بين جنبات الرواق تحط هنا، واصفة ارتسامات الحضور، وتقف هناك، ترسم معالم المكان، كل ذلك دون النفاذ إلى عمق العمل الفني، موضوع الحديث والنص.

اما النقد كما هو معروف اكاديميا بمقاييسه ومواصفاته، ذلك النقد الذي سيساعد المتلقي/ المشاهد على التقرب أكثر من أعمال الفنان، نوعية العمل، انتمائه المدرسي، تقنياته، مؤثراته،… يتناول تلك الأعمال بالوصف والتحليل والتأويل ثم التقييم والحكم، فهذا قلما نجده عند نقادنا. أنا شخصيا لم يسبق لي أن قرأت مقالا من هذا الصنف. وهذا مما جعل الكتابة عن الفن لاتساير الممارسة التشكيلية . فهي جد متأخرة عنها، لأن الكاتب عن الفن التشكيلي يكتب غالبا، عمن يحب مجاملة، ولايكتب عن مسار الحركة التشكيلية شهادة للتاريخ.

لا تعليقات

اترك رد