مستقبل العرب ج 4

 

كما سلفنا الذكر، فدور المثقف في المرحلة الحالية ضروري ومفصلي في مواجهة استماتة الإيديولوجية الإستبدادية المهيمنة منذ زمن طويل وأيضا الوقوف أمام المرجعيات الدينية التي لا زالت تؤمن أيضا بالحزب الواحد والرأي الواحد والشخص الواحد.

النكبة العربية المعاصرة والتي تعصف بالمجتمع العربي منذ أكثر من ست سنوات تفرض علينا أن نتجه للب الإشكالية أي نحو إيجاد نظام سياسي يحرر الإنسان ويحقق استقلالنا الثاني أي إيجاد مشروع متكامل لهذا المجتمع عوض الجري وراء فتات الآخرين.

يقول المفكر الفرنسي ألتوسير “إن الصراعات الفكرية هي صراعات سياسية في النظرية، والمعارك السياسية تربح أو تخسر أولا وقبل كل شيء داخل الأدمغة”. بمعنى التفكير مليا في واقعنا ومستقبلنا بشكل عقلاني وواقعي لا البحث عن الحلول والبدائل الجاهزة، لأن حتى الديمقراطيات الغربية أصبحت مشوهة لكثرة استعمال مصطلحاتها ومفاهيمها من طرف الإستبداديين، كما يجب أيضا التصدي لأولئك الذين يرفضون فكرة الديمقراطية فقط لأنها غربية الشكل والمنبت، لأنه استخفاف بالعقول لأننا نعيش في عالم كله غربي المعالم.

من المفروض أن نبني فكرا حرا يستطيع التفريق بين الليبرالية والديمقراطية والهمجية السياسية الغربية، ومنه نستطيع بناء فكر عربي محض بمقومات وأدوات عربية خالصة يتماشى والواقع الثقافي لمجتمعنا. نحن بحاجة لفكر يخرج المفاهيم من الضبابيات والعموميات والتركيز على الأولويات والخصائص والجزئيات العملية.

كما أن التاريخ والوقائع تحتم أن نقتنع أن أصحاب هته الإيديولوجيات أو تلك في وطننا العربي يقدمون على تكرار نفس المهازل التي عشناها من قبل، فهم لم يقتنعوا بعد بأن المشروع التحرري يجب أن يركز على الآليات ويتناسى الأشخاص والمرجعيات، وأن هته الآليات لن تكون سوى آليات المجتمع الإنساني العادل.

وإذا ما استطعنا أن نحرز تقدما في هذا الفكر وإرساء دعائمه سنكون قد حققنا استقلالا ذاتيا الذي طالما ناضلنا من أجله منذ فترة الإستعمار الذي لم يكن بدوره سبب كافيا لتخلفنا لكنه كان ثمن سوء تنظيمنا وانحطاطنا الذي خيم لقرون عدة. وحتى بعد الإستقلال ساد المجتمع العربي نوع من الإجحاف في حق الطاقات الشابة والطاقات الإنسانية الجبارة فانهار الفكر والتنظيم السياسي والإجتماعي.

فالمجتمع العربي للأسف وفي حقبة ما بعد الإستقلال عرف أنظمة سياسية أبادت فكرة البناء الخلاق والوطنية الحقة فذهبت دماء شهداء الإستقلال هباء في ظل حكام أوكلت إليهم مهمة القيادة والتفكير والتقييم بدلا من الشعب والأفراد بصفتهم رموزا وطنية وبناة الأوطان. فساد المجتمع نوع من الركوض والسبات في انتظار معجزة قائد الشعب إلا إذا استثنينا بعض المفكرين والسياسيين الذين قاوموا هته الأفكار إلا أنهم كانوا ضحية فكر استبدادي لا يرحم من يخالفه الرأي، هذا الإستبداد المستمر هو الذي جنا على بعض المجتمعات استعمارا حديثا بذريعة نشر الديمقراطية والحداثة والحرية.

كما أن الدولة الوطنية أي ما بعد الإستقلال سادتها أنظمة آمنت بعبادة شخصية القائد وسيطرة النزعة القبلية وفرض الرأي الأحادي وسحق كل من يخالفه، وهي آليات الفكر الإستبدادي كيفما كانت إيديولوجيته ووجود بعض المعارضات كانت فقط مجرد مظاهر كان القصد منها التضليل وإعطاء صورة مزيفة لواقع بائس.

لا تعليقات

اترك رد