هل سنتجنب الحرب؟..

 

التوترات التي تشهدها مناطق الخلاف بين القوات الاتحادية من جهة والبيشمركة الكردية من جهة اخرى تبدو لبعض المراقبين الذين ياملون خيرا وبامكانية الاتجاه نحو الحوار والسلام، مسيطرا عليها ولا تشكل قلقا كبيرا، وهم يثقون بهدوء العبادي وربما حكمته كما يرون لتجاوز هذه المرحلة والبدء بحوار عميق من شانه ان يضع سبلا ومنهجا جديدا في العلاقة بين المركز والاقليم، خاصة وان قوى متعددة ومنافسة للبرزاني توجه رسائل متعددة للحوار وهي تهدف الى حقن الدماء اولا والى انهاء الحقبة البرزانية المسيطرة على الاقليم منذ عقود ثانيا، مع يقينها بانها ستقدم مرغمة تحت الضغط الايراني، تنازلات كثيرة عن المكاسب التي تحققت للاقليم سابقا، غير ان الامور لن تسير بهذا الهدوء، فالمراقب لمجريات المناوشات ولطريقة الاعلام الحربي لجماعة البرزاني وتغطيته لمناطق المواجهات، وللرسائل التي يبعثها للغرب سيعرف الاهداف التي يرجوها والتي تدفع شيئا فشيئا نحو حرب بين العرب والكرد، وفي كل الاحوال فان استعادة السيطرة على كركوك، غير كثيرا من المعادلة السياسية القائمة في العراق اذ جعل هذه المدينة خارج سياق الصفقات والمساومات التي اعتاد عليها النظام في العراق وتحديدا منذ عهد المالكي..

السيناريوهات التي اطلقت قبل انطلاق عملية تحرير الموصل من داعش لم يكن فيها واحد عن استقرار العراق ونشر السلام والامن والاعمار فيه، بل كلها كانت ترسم وتتوقع صدامات هنا وهناك وكان بينها هو الصدام العربي الكردي، ويبدو ان البرزاني قد تعجل كثيرا ولم ينتبه الى التغيرات الدولية والاقليمية، واعتبر ان الاولية هي لذلك الصراع باعتباره سيؤدي الى خلق فرصة تاريخية لقيام الدولة الكردية، لم ينتبه البرزاني الى ان الاكراد لم يعودوا باولوية الاهتمام الاميركي وان ايران وامتدادها واذرعها المسلحة تشغل التفكير الاميركي اكثر من اي شيء اخر في المنطقة، وان مسالة الصدام مع العرب ستعطي فرصة كبيرة لايران والميليشيات التابعة لها بالامتداد اكثر داخل البيت الكردي وهو ماحصل فعلا بعد ازمة كركوك..

كان تصريح وزير الخارجية الاميركية تيلرسون واضحا ازاء الميليشيات الايرانية، رغم انه قد تحدث عن الحشد الشعبي عموما، الا انه في الحقيقة اعطى المبرر لرئيس الوزراء العبادي كي يفصل في رده على تيلرسون بين الحشد المنظوي تحت قيادته وبين تلك الفصائل التي تاتمر بامر الولي الفقيه، مما يعني وان اعتبره البعض ردا قويا على الخارجية الاميركية، فهو ايضا تصريحا رسميا وواضحا بوجود امتدادات ايرانية خارجة عن السيطرة وعن القانون، كما ان العبادي حاول ان يعطي صورة ميدانية واقعية عن رغبته باقامة علاقات اقليمية متوازنة، فزار السعودية والاردن وتركيا وايران، ويبدو ان النتائج التي تحققت في السعودية وتركيا اعلى واهم كثيرا من تلك التفاهمات مع ايران، وهناك نتائج على الارض منها ان البرزاني قد انتهت سلطاته وهاهو يعلن عدم ترشيح نفسه لولاية اخرى كما طلب من البرلمان توزيع صلاحياته كرئيس للاقليم الى الحكومة والبرلمان، ( الا انه في نفس الوقت ابقى زعامته العشائرية والمسلحة كقائد للبيشمركة التي ستكون فرس رهانه في التاثير على مجريات الاحداث) ، ومن تلك النتائج ايضا اصرار الحكومة الاتحادية على عودة الكرد الى المناطق التي كانوا يسيطرون عليها قبل العام 2003 ، ومنها ايضا ان ولي العهد السعودي سيزور بغداد مطلع الشهر المقبل وبحسب التسريبات فانها ستكون زيارة تاريخية..

قراءة البرزاني لسيناريوهات الصراع المحتملة لما بعد داعش لم تكن خاطئة فقط، (البارزاني قال في خطابه يوم امس الاحد: لم نتوقع مطلقا ان تسكت الولايات المتحدة على الهجوم علينا) انما قدمت واخرت بعضها على بعض، وهذا الاجراء عقد الاجواء وادى الى تاثيرات معكسوة لما كان مخططا له، اذ ان تصرف البرزاني المستفز وحد العراقيين من جهة وصعب كثيرا من ترتيب تلك الصراعات وكان اشدها هو سيناريو الصراع الشيعي الشيعي، غير ان هذا لا يعني صعوبة تحقيقه مع

التوجهات الاميركية مؤخرا واشاراتها الى ان بعض قادة الميليشيات ارهابيون ومنهم نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس الذي وضع لثالث مرة على قائمة الارهاب، وتعد هذه الاشارات جزءا من الستراتيجية الاميركية القائمة على تحديد نفوذ ايران في المنطقة وخاصة العراق وسوريا، وايضا الضغط عليها بملفي السلاح النووي والصواريخ البالستية..

اذا كان البعض يعتقد اننا قد تجنبنا الصدام العربي الكردي، بحكمة العبادي او بالضغط الاميركي الايراني التركي، وهو امر مازال غير محسوم وقابل للانفجار في اية لحظة، خاصة بوجود عناصر من هنا وهناك غير منضبطة وتسعى الى ذلك، الا ان هذا لايعني ان الوضع العراقي متجه نحو الاستقرار، كان طلب العبادي بعد زيارته ايران بابعاد الخلافات الايرانية الاميركية عن الساحة العراقية دليلا على مدى توسع وتعمق ذلك الصراع وتاثيره على البلاد، ولكن طلبه لن يجد اذانا صاغية من الطرفين اذ لاتوجد ساحة بديلة عن العراق، كما لاتوجد وسيلة اقوى للتحرش بايران ودفعها للصدام المباشر اقوى من عملية تقليم اظافر بعض الميليشيات وقادتها في العراق..

وفي كل الاحوال فان اجواء الوضع العراقي حاليا مهياة لحدثين مهمين وهما الصراع الكردي الكردي الذي بدت ملامحه السياسية واضحة وبانتظار شرارة الصدام العسكري وربما ستكشف الايام القادمة احداثا ذات اهمية حاسمة في هذا الاتجاه، وايضا الصراع الشيعي الشيعي الذي تحاول اميركا الدفع به الى الامام، ولكن كلا الامرين متوقفان اساسا على نجاح او فشل العبادي في التخلص من الهيمنة الايرانية وهو رهان صعب جدا ان لم يكن مستحيلا..

مازال الرهان قائما على ان وضع العراق ليس مهيأ بعد لعوامل السلام والامن والاستقرار..

المقال السابقمستقبل النفط
المقال التالىعُرس الأشباح
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد