الهور والزور والحرامية

 

( لو بالهور لوبالزور لوعند الحرامية) ، يضرب هذا المثل للتعبير عن اليأس من العثور على الشيء المفقود وعدم تعيين الجهة الموجود فيها(1).
ونعني بالهور( مفرد الأهوار ) وهي المستنقعات والمسطحات المائية، أما الزُّور فيراد به الحشائش والأحراش الكثيفة العالية التي تنبت وسط الماء .
وهذا المثل الشعبي معروف عندنا في جنوب العراق وقصته ان شيخ إحدى العشائر كانت لديه مجموعة من (الحوافة) أي اللصوص ، وكان يسخرهم لسرقة الماشية حتى من أفراد عشيرته. وذات يوم سرقت بقرة من رجل فقير كان يعلم ان شيخه متورط بالسرقة فذهب اليه يستعطفه ويطالبه بإعادة البقرة له ويؤكد له بالقول :اني لا أتهمك لكن بما انك شيخ عشيرتنا وكبيرنا فيتحتم عليك معرفة من سرق بقرتي !! فاحرج الشيخ امامه و أمام أعيان العشيرة المجتمعين في مضيفه مع انهم يعلمون جيدا ان شيخهم هو اللص لكنهم يخشون سطوته وبطشه !! . فآعتدل الشيخ في جلسته وقال لصاحب البقرة : ..تعال غداً صباحاً وساعرف مكان بقرتك فشكره الرجل ، وصاح الأعيان:.. بوركت يا حامي الحما فمن لنا غيرك ليظهر الحق وينصف المظلوم !!. شعرالشيخ (اللص) بالإرتياح على هذا الإطراء مطمئنا الجميع بأنه سيضع حداً لهذه (المهزلة) وسيكتشف الحقيقة . وفي الصباح اجتمع كل أبناء العشيرة ليعرفوا ماحل بالبقرة فلربما سيجدون مسروقاتهم معها !! . وهكذا تقدم ( المجنى عليه) من الشيخ وقال له : .. هل عرفت مكان بقرتي يا محفوظ ؟؟ فرد عليه الشيخ بابتسامة صفراء قائلاً:.. ومن غيري يعرف ذلك ، بقرتك يا رجل ( اما غرقت في الاهوار وهي تشرب الماء ! ، او ذهبت لتجتر الحشائش بالزور وتاهت ، او سرقها اللصوص ) يعني ( لو بالهور لو بالزور لو عند الحرامية )!! .
بالطبع صدم صاحب البقرة وكل أفراد العشيرة لكن خوفهم من غدر الظالم غلب عليهم فلم يناقشوه في الأمر بينما تعالت أصوات زبانيته من المتملقين له وهم يمتدحون( ذكاء شيخهم ونباهته ووقوفه مع المظلوم ضد الظالم ).!! وراح هذا المثل يضرب بمن يسرق ماله ويذهب الى السارق ليسأله عنه فيرد عليه ( لو بالهور لو بالزور لو عند الحرامية (2)).
واليوم يتساءل الناس عن مصير الذين تم اختطافهم و المفقودين والمغيبين ومنهم ناشطون ومثقفون وأدباء ومواطنون من سائر الناس على الرغم من مضي فترات زمنية طويلة على اختفائهم .
أيضا لاننسى السراق (الكبار ) الذين ( لغفوا ) المليارات وغادروا البلاد بكل ثقة وأمان و( على عينك ياتاجر ) الى بريطانيا وأميركا واستراليا ودول عدة أخرى ، ولوأنهم وجدوا موطيء قدم في المريخ لأتخذوه ملاذا آمنا لهم فما الذي تم بشأنهم حتى الآن ؟!. لم نسمع ان الشرطة الدولية ( الانتربول) قد ألقت القبض على احدهم ، أو في الأقل قيام الجهات المعنية باسترداد بعض من المال الذي سرقوه ، بل حتى ثقافة الاعتذار للشعب والاعتراف بجرائمهم ، أو ممارسة القصاص من أنفسهم بأنفسهم لم يقدموا عليها ولم يصبهم ( لاحريشي ولا ابوزوعة ).
ان غض النظر أو بالأحرى ( التغليسة ) عن هؤلاء وعن كل الانتهاكات والخروقات الأخرى لكل الفاسدين وبقية ( الصماخات ) ستشجع أقرانهم ومن هم دونهم على مواصلة الاستحواذ على قوت الشعب وممتلكات البلاد بطرق وذرائع مختلقة ومختلفة ، في وقت ينشغل فيه أبناؤه بمقارعة الارهاب ، فهل جزاء الاحسان الا الاحسان ؟.
الحديث يطول و ( الفتك جبير والركعة زغيرة ) والناس ( مطفية وخدرانة ) والظاهر أصابهم القنوط فاستسلموا تماما لمفترسيهم لأنهم أيقنوا أن أماناتهم وودائعهم وممتلكاتهم بل ومستقبلهم المجهول فهو (لو بالهور لو بالزور لو عند الحرامية)!!.

*1- بتصرف ، ميمون البراك ، الأمثال الشعبية في ميسان ، الموروث ، العدد 94 – كانون الأول 2015
*2- بتصرف ، من صفحة الأستاذ عدي الزيدي ، 2017

لا تعليقات

اترك رد