اول جمعية تأسيسية في التاريخ

 

– ان التطور الذي يعيشه الانسان على مر العصور وعلى الصعيد الاجتماعي والروحي يكون ذو خطى بطيئة يصعب في بعض الاحيان تتبعها وتقصي مراحل تطورها ويشبه صموئيل كريمر ذلك التطور ((بأنه كشجرة التي يكتمل نموها فتغدو مختلفة عن البذور التي انحدرت منها ثم افترقت عنها بمراحل عديدة)) ومثل هذا النمو والتطور انطيق على ما يعرف اليوم باسم (الديمقراطية) التي انبثقت من الجمعية التأسيسية.

– قد يتبادر الى اذهان الكثيرين ان فكرة (الجمعيات التاسيسية) هي من اهم ثمار الحضارة الاوربية الحديثة ولا يخطر على البال انها ثمرة عمرها الالف السنين تعود الى احد البقاع الموجود في الشرق القديم وليس في اوربا. اذ ظهرت اول جمعية تأسيسية في تاريخ البشر في بلاد اسومر خلال فترة الالف الثالث قبل الميلاد ، اي لم يكن مقرها او بزوغها من بلاد الاغريق او بلاد الرومان الذين عرفا مبدأ الديمقراطية في وقت متأخر قياسا بالزمن الذي كانت فيه الديمقراطية والجمعيات التأسيسية اجتمعت في سومر جنوب العراق.

– لقد ظهرت اول وثيقة او لوح طيني يتضمن تأسيس او جمعية في بلاد سومر تعود الى زمن ملك الوركاء كلكامش ، اذ ان سومر في ذلك الوقت تتألف من ممالك وسلالات ذات شهرة واسعة ، وكانت تلك الولايات في تنافس دائم فيما بينها للحصول على الزعامة والسيطرة على الطرق التجارية ومجاري الأنهار ، وكانت اكبر تلك السلالات هي (كيش) اذ ورد في احد النصوص السومرية (ان السماء قد عهدت الى كيش بدفة الحكم مباشرة بعد الطوفان) ولكن مع مرور الوقت ظهرت مدن اخرى اخذت تنافس كيش في مكانتها ومن هذه المدن (مدينة الوركاء (اوروك)). فسرعان ما ادرك الملك (اجا) ملك كيش خطر ازدياد سلطة وأهمية الوركاء اخذ يسعى الى شن العداوة لها ولتجارها ، واخذ يهدد الوركاء بالحرب . وفي هذه الحالة كان لابد من اتخاذ اتدابير الحرب والاستعداد للرد بالمثل بدون اي تردد. لكن نجد ان الموقف مختلف من ملك الوركاء الشاب (كلكامش) فعلى الرغم من انه كان في عنفوان شبابه في هذه الفترة وقد وصفته الاساطير انه شاب مغرور. إلا انه لم يكن ملكا استبداديا من الذي يتنفردون في اتخاذ القرار او يفرض ارائه على شبعه ، بل كان يستشير ممثلي الشعب في شكل ديمقراطي يمكن توفره في

– تلك الفترة التي تعود الى الالف الثالث قبل الميلاد. وهذا الحال لا ينطبق على جميع الاخطار التي تواجه المملكة بشكل مباشر ويستوجب فيها اعلان الحرب ، لكن نجد كلكاميش يتخذ منحى اخر وهو استشارة ممثلين الشعب الذين دعاهم الى التصويت فأما الحرب وشرف النصر ، او سلام واستسلام.

– فيبدأ كلكامش باستشارة مجلس الشيوخ اولا (وهو مجلس القدماء الذين خبرتهم الحياة ويعرفون معنى التعقل وعدم التسرع والانجراف وراء المشاعر والانفعال) ، وبعد ذلك يستشير مجلس الشباب (من المحاربين او حملة السلاح) اذ ذكر فيه ان الرأي الذي صدر من مجلس الشيوخ هو الاستسلام . لكن كلكامش لم يوافق على هذا القرار فقرر احالة الامر الى مجلس الشباب الذي جاء قرارهم مؤيد للحرب والحرية وعدم الاستسلام . وقد استطاع جيش كلكامش ان يحرزها وينتصر على عدوه الذ ضرب حصار على اسوار الوركاء ، وقد ذكر تفاصيل انعقاد المجلس والنزاع في ملحمته التي حملته اسمه ولكن دون التطرق الى عدد اعضاء كل مجلس او كيفية انتخابهم . وما يهمنا في هذا الشأن هو اثبات ان اقدم مبادرة لممارسة الديمقراطية بشكلها الاول (البدائي) ، وأول وأقدم جمعية كانت قد اجتمعت قبل خمس ألاف سنة وفي بلاد الرافدين بالذات في سومر في جنوب العراق حيث طور اهلها الحضارة ومبادئها انذاك.

لا تعليقات

اترك رد