مستقبل النفط

 

يعد النفط من أهم أسباب الصراعات الدولية منذ اكتشافه عام 1859، الذي أسهم في ثورة هائلة في شكل الآلة وحجمها وقدرتها، وأصبح شريان الحياة، فعندما ارتفعت أسعاره عام 1973 شعرت الدول الصناعية الكبرى تحكم الدول المنتجة بالأسعار وربطه بالمواقف السياسية، حاولت تلك الدوائر البحث عن بديل للبترول والترويج له، لكن اكتشف الجميع أن ذلك لم يكن سوى خدعة إعلامية.

وبما أن النفط هو الأبرز في المشهد الاقتصادي العالمي، أصبح لدى الدول الصناعية الكبرى استعدادها السيطرة على منابعه من أجل ضمان تدفقه، تحولت المنطقة من الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراعات مختلفة ومتعددة وبهويات متعددة.

يقف العالم مصعوقا أمام انخفاض أسعار النفط لمستويات قياسية ويعتبرونها حالة غريبة، فالأزمات السياسية التي تعصف بالمنطقة من المفترض أن تؤدي كلها إلى ارتفاع جنوني لأسعار النفط واشتداد الطلب عليه، إلا الأمر كان عكس هذه التوقعات، وهو أمر غير معتاد في حالة الصراعات والأزمات الدولية.

ذلك يدعو إلى تحديد اللاعبين في أسواق النفط والقوى التي تهيمن علي السوق، وتحديد من الذي يستخدم النفط ورقة مساومة والإخضاع للضغوط السياسية.

هناك من يعتقد أن أوبك تم سلب مكانتها وهي التي تنتج ثلث النفط العالمي وتمتلك ثلثي الاحتياطي العالمي من خلال النفط الصخري وعقد صفقات خلف الكواليس بهدف انهيار الأسعار وهذا ما يخلق حالة من القلق والهلع واستمرار انخفاض الأسعار متزامنا مع عوامل اقتصادية من تراجع على الطلب على النفط ووفرة المعروض.

هناك في جانب آخر ضجة إعلامية كبرى حصلت عام 2013 بأن الولايات المتحدة قد فاق إنتاجها إنتاج السعودية من النفط، وأنها حققت استقلال في مجال الطاقة، ولم تعد بحاجة إلى السعودية، لكن في الحقيقة أن النفط الصخري بل إجمالي إنتاج أمريكا لم يكن يصل عام 2018 سوى بارتفاع 1.1 مليون برميل يوميا بحيث يصل 10.6 مليون برميل يوميا من إجمالي استهلاك يقترب من 20 مليون برميل يوميا، فيما تجاوز إنتاجها حاليا عام 2017 نحو 9.5 مليون برميل يوميا، والبعض يرى انخفاض الإنتاج الأمريكي بعدما انخفض عدد منصات الحفر النفطية إلى 763 منصة في أغسطس يقابل نفس العدد 383 منصة حفر كانت عاملة قبل عام من نفس الفترة توقفت عن العمل حاليا، حيث سبق أن حذرت وكالة الطاقة المنتجين في الولايات المتحدة من التركيز على زيادة الحفر مع تجاهل كفاءة الحقول، فلم يعد النفط والغاز الصخريان سلاح أمريكي استراتيجي جديد.

مع انخفاض المخزونات الأمريكية 13 في المائة في مارس 2017 إلى 466.5 مليون برميل في أغسطس، مما قلص من التقارير الحكومية التي تشير إلى ارتفاع إنتاج النفط الصخري، لكن الإنتاج الأمريكي يتربص بتخفيضات أوبك، ويستفيد من أي انتعاشة ولو محدودة في أسعار الخام.

لذلك تساهم الولايات المتحدة من جانبها لمغازلة دول أوبك بخفض مخزوناتها من النفط الذي لا يتجاوز 40 يوما من الإنتاج المحلي والواردات مما أدخل الكونغرس في خلاف مع ترمب حول بيع نصف الاحتياطي الاستراتيجي، والولايات المتحدة لا تمتلك احتياطيات سوى 23 برميل قد لا تكفيها أكثر من عقد من الزمن ارتفعت من 16 مليار برميل عام 2008، لكن احتياطيات السعودية عند 268 مليار برميل فلا زالت تمسك بزمام السوق.

لذلك نجد أن الولايات المتحدة اتجهت إلى بناء احتياط استراتيجي يبلغ 680 مليون برميل لحماية الولايات المتحدة من اضطرابات العرض بعد الحظر النفطي العربي في السبعينات الذي يجعله هدفا للسياسيين في واشنطن بسبب أنها تستهلك نحو 20 في المائة من الاستهلاك العالمي من النفط فيما تستهلك الصين 12 في المائة من الإجمالي العالمي حتى الآن لكنه سيرتفع بسبب النمو الصيني وتقليص اعتمادها على الفحم الحجري.

هناك محللون يعتقدون أن السبيل الوحيد لإبطاء طفرة النفط الصخري التخلي عن اتفاق خفض الإمدادات والسماح للأسعار بالتراجع مرة أخرى، الأمر الذي يعتقدون أنه قد يحدث إذا ضعفت رغبة أوبك في الحفاظ على خفض إنتاجها الخاص مع استمرار الإنتاج الأمريكي لسد هذه الفجوة.

لكن أوبك راضية عن النفط الصخري كحليف محتمل على المدى الطويل لتقاسم عبء تلبية الطلب، ولم يبلغ إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة حتى الآن أكثر من 3.5 مليون برميل يوميا رغم أنه يطمح إلى إنتاج 6.5 مليون برميل يوميا لكنه يتعثر لعدة أسباب منها اقتصادية ومنها الآخر تقنية وبيئية.

فيما أكدت شركة وود ماكينزي الدولية المتخصصة في استشارات الطاقة أن أسعار النفط مرشحة للارتفاع بقوة حتى عام 2020، مشيرة إلى أن الطلب على الخام سيستمر في النمو حتى 2029 وإن كان بوتيرة أبطأ من ذي قبل، وتوقعاتها أنه سيلزم إضافة أكثر من 20 مليون برميل يوميا من الإنتاج الجديد حتى عام 2026 من أجل مواجهة انخفاض الإنتاج الطبيعي بسبب نضوب الحقول حيث أن نصف الطلب يتم توفيرها من خلال المشاريع الجارية حاليا وسيحتاج النصف الآخر إلى الاستثمار في مشاريع جديدة لا يزال يتعين إطلاقها.

بل أشار التقرير إلى أن معظم المشاريع النفطية الجديدة المخطط لها لا تزال تعتبر غير اقتصادية في ظل بقاء أسعار النفط حول مستوى 50 دولارا للبرميل ما يجعل فرص خروجها للنور غير واضحة في الوقت القريب حيث ثلث منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة يواجهون الإفلاس، بل هناك مخاوف من أزمة إمدادات في 2022، والحقول غير الأمريكية تحتاج إلى 8 سنوات لتطويرها، ويرى التقرير أن هناك بروز أزمة إمدادات جديدة ستحدث في الفترة بين 2020- 2022.

لذلك الكثير من شركات الطاقة الدولية العملاقة مشغولة بقضية الاستمرار في الاستثمار مهما تفاقمت تحديات السوق، لكن في نفس الوقت تتمتع أوبك بقدرات تنافسية عالية في هذا المجال وقدرات واسعة على الاستثمار في ظل الأسعار المنخفضة.

وفي تقرير وكالة الطاقة الدولية النفط 2017 الذي يصدر كل خمس سنوات بأن المستثمرين لا يراهنون على ارتفاع أسعار النفط في أي وقت قريب، لكن انكماش الإنفاق العالمي في 2015 و2016 وتنامي الطلب يعني أن العالم يواجه أزمة معروض إذا لم تحصل مشروعات جديدة قريبا، لأن تقرير أويل برايس أكد أن اكتشافات 2016 لم تتجاوز 45 يوما من الاستهلاك العالمي وفقط 0.2 في المائة من الاحتياطيات المؤكدة، حتى خطة التحول الأمريكي الكامل للطاقة المتجددة في 2045 غير واقعية والأحفوري ما زال قويا، وتقديرات سيتي جروب بتحول سوق النفط إلى الصخري غير صحيحة، بل إن بيانات الحكومة الأمريكية تتوقع انكماشا في إنتاج النفط الصخري بسبب سرعة نضوب الحقول أكثر بكثير من الحقول التقليدية وارتفاع تكلفة الإنتاج في أغلب المناطق.

لم تتنبه أوبك لبناء المخزونات خلال الأعوام الماضية فهي تصارع منذ 3 سنوات المخزونات النفطية العالمية التي أخرت توازن السوق رغم تحسن ميزان العرض والطلب، ومن المتوقع أن تتوازن السوق في مطلع عام 2018، لكن لا تزال تحوطها بعض الشكوك خصوصا مع زيادة الإنتاج من خارج أوبك.

بقاء النفط عند 50 دولارا يعني أن الإنتاج سيزيد ببطء، أما مستويات فوق 60 دولارا فستدفع بكميات أكبر، وإذا زادت الأسعار إلى 80 دولارا فسيزيد إنتاج الخام الخفيف الصخري نحو 3 ملايين برميل يوميا خلال 5 سنوات، فيما إذا بقيت الأسعار عند 50 دولارا للبرميل فإن إنتاج النفط الصخري ربما يهبط من أوائل العقد المقبل كما تقول وكالة الطاقة الدولية.

تشكك ستي جروب في إمكانية استمرار التعاون الاستراتيجي بين المنتجين في أوبك بقيادة السعودية وخارجها بقيادة روسيا، وترى أنه لا يوجد دليل على هذه الافتراضية، لكن تمسك السعودية وروسيا بالتعاون والتنسيق المشترك طويل الأمد ما يدحض هذه الفرضية خاصة وأن النتائج الإيجابية في السوق بدأت تظهر بقوة، لأن هناك ثلاثة أهداف توحد المنتجين، تقليص المخزونات وتعزيز الاستثمارات، والاستقرار المستدام للسوق، حيث بدأ المنتجون يتعافون من خسائر تقدر بنحو تريليون دولار في 3 سنوات، منها 450 مليارا في مشاريع.

لا تعليقات

اترك رد