من أين أبدأ وصفك يا وطن؟


 

بالسّواك الحارّ

ويل لأمّة تكره الظلم في منامها وتستجيب له في يقظتها وتقبله في واقعها. أمّة تعيش على الخبز المطحون، أمّة لا تحنو إلاّ لتخون فعاقلها أبْكم، و محتالها ثرثار مجنون. ويل لأمّة يجوع أهلها و يتعّرون و تهدم منازلهم و يشقون و تذاع أخبارها في نشرات الأنباء… أمّة لا تحمي شرفها و لا تصون. لا تستحي و عهرها فنون و القبلة جريمة يعاقب عليها القانون.

*من أين أبدأ وصفك يا وطن؟ و النخل يحني هامته لعبورك و الماء يتوقف عن الجريان حتى يمرّ موكبك مظفّرا، و الورد يفقد في البراري لونه ما إن يشمّ عبيرك.

يا وطن الفقراء تكلمّ.. من أين أبدأ وصفك حين يموت من القهر و الجوع و الغلاء و الهجر سكانك في قوارب الموت؟

كيف أصفك و أنا من مدينة اللوز و الزيتون الذي يزهر في أراضيك ثّم يفرّ منها إلى ما وراء البحار ليعلّب في التوّ إلى بلاد ينضج فيها، وهو عصيّ عليك… ظالم يا غزال… حبك قتّال: غنّ يا مرسال ظالم يا غزال من أين أبدأ وصفك يا وطنا يخرج فيه القطار عن سكّته و المواطن عن طوعه و يصير اِسمك في شفتيك أشهر من نبات

الأرض و أنت تنشد في محافل العالم موطني موطني…. إذا الشعب يوم أراد الحياة ، فلا بدّ أن يستجيب للحكومة.

كم أردناها حياة ندخّن فيها سيجارة من قهر بأسعار لا تقبل المنافسة…. كم أردناها من حياة نشرب فيها من نبيذ أو حليب لم يعقّم، من هواء تسمّم و من ضمير محّطم.

من أين أبدأ وصفك يا وطن الأيادي التي ترتعش و يُقطف منها رمّانّها و نبيذها و تفاحها المحرّم.

و أنت تشمّ عناقيد الفرح تقف أمام صورة علم بلادك فتهمس لنفسك هذه البلاد لم تعد كبلادي …. بلاد صار فيها الكاهن الأكبر زعيما البلاد و أسعارها تلوّح لك بالأيادي.

بلادي و حبّي و مرادي و عشقي و حدادي رفعت فخذيها فنزلت تنّورتها، و نمدّ الهاتف لنلتقط لها صورة “سلفي”… على نخبك يا وطن مزدان أنت بالصّوّر و لك تاريخ حافل بالعبر. صور للحضور و ذاكرة للغياب في مشهد كوميدي ساخر و عاهر. لا شيء يستحقّ النظر ! مَنْ بعدنا و أين المفرّ؟ نحن من نحن؟

ألسنا أبناء الهواء السّاخن يشعّ على وطن لا يرعاك إلاّ تكلّفا، و حين يكون المصاب جلل؟

(ألسنا نعيش بنصف حياة و نصف أمل، و بلا شوق نحيا على عجل و ننتظر الأجل؟ هو ذا يتركنا كالحصان وحيدا… في وطن يتنفس غاز الفحم و يلفظ الأكسجين. وطنيون كما الزيتون و الليمون نحبّه و نسقيه بدمع العيون ثم يغادرنا تاركا لنا إثم الظنون.)

سلام عليك يا وطني، فإخوتي ألقوني في غياهب الجبّ، فمن أين أبدأ وصفك؟ وهل سأكون لهم سفير النوايا الحسنة؟ من أين أبدأ وصفك

و قد أمتعتني و أسكرتني بخمرة الحبّ وقتلتني و قد علّمتني كل حروف الهجاء… قهرتني و أنت الذي تعلّمت على يديك معاني الوفاء.. أيها الوطن المسيّج بالمسدّس و المدنّس و المقدّس… لماذا لا تعرني حيّزا من الاهتمام و لماذا لا تحفظ ودّي على الدّوام؟ هل أنا مشروع مواطن أم لقيط مهادن أنا نملة تصرخ و لا من مجيب و أنا القريب و عنك البعيد.

ملّ أصحابي المشاريع الوهمية و رياضة الكلام، كرهنا الخصام. يا وطن الشهداء تكّلم… نسينا ألحان الكلمات العاطفية ننام و نصحو على بقايا أغنية قديمة للفنان الفرنسي سارج لاما “أنا مريض” – je suis malade- فَأنَا وحيد. أقف صامتا بالحراك و تنهال علينا الفواتير من كل جانب، في بلد نقله منهار و تربيته منهارة و صحّته مريضة و طعامه ملوّث و أنت لا يحق لك أن تسأل… فلا تسأل الموظف عن راتبه كما لا تسأل المرأة عن عمرها و لا تسأل الحكومة عن إنجازاتها.

أقول في يوم الوداع و هذا الحب ضاع. فكيف سأصحو من منامي غير مزوّدّ بالخيبة و لنا ما لذّ و طاب من فاكهة السلطة؟

أمامك رجال يندمجون و أحزاب يعصرون و يشربون و مثقفون هائمون يبيعون بضاعة منتهية الصلوحية. تراهم في مواسم الإنتخاب كالزائدة الدورية أو بقرات سمان يأكلن وطنا عجافا. و بلادي كمومس، الكلّ يأتيها و قد تمزّقت بكارتها مرارا. الجميع يأتيها من رجال الدين و رجال القانون و رجال الأمن ورجال السلطة و الباعة المتجوّلون و حتى العقلاء و باعة الإنتصاب …. الفوضوي.

مزابل أنيقة في أحياء راقية حتى الركّب.. و مزابل فوضوية بكل الرّتب. في بلد ترى فيه العجب. صار أسفلنا الرأس و أعلانا الذّنب

و حين نقول أنك عاجز عن الكذب ترمى و حيدا و يصيبك التّعب. أنت تسأل و يجيبونك هذا الرّجل منتخب و أنت تجاوزت حدود الأدب.

من أين أبدأ وصفك يا وطن؟

لقد علّموك في المدارس أنّ بلادك ولاّدة فهل شحّ منيّها بين الرّكب و لم تعد تنتج رجالا بنفس العدد؟

رحم الله منور صمادح حين قال: شيئان في وطني خيّبا ظّني الصدق في القول و الإخلاص في العمل.

فلا تسأل العمر من باعا و من خانا.

بل اِسأل هناك سجونا تسمّى اليوم أوطانا.

آه يا وطن الملاحم من أين أبدأ وصفك؟ و أنا أرى الطوفان قادم.

لا تعليقات

اترك رد