الجزائر الثائرة ( 1954 – 1962 ) …….


 

ضاق الخناق، واشتدّ الوثاق، وادلهمّ الفضاء حتّى لمْ يبْق إلّا بعضُ النجوم النادرة في ليل طويل ثقيل تُغطّي مصادر الضوء فيه همومُ المآسي التي حقنها الاستدمارُ البغيض في ذات البلاد ونفوس العباد طوال ما يربو عن القرن من الزمان … كانت النكبة شديدة عنيدة حتى تجاوزت الألمَ وألم الألم وما بعْد ألم الألم، وكان الصبْر فقدَ معناه وأصبح مرادفا لعدمية الوجود عند أكثرية الجزائريين والجزائريات الذين ألغيَتْ جزائرتهم وأصبحوا مجرد “”أهالي / indigènes “”بصفة “”عبيد”” عند شذّاذ أوروبا ومجرميها ومرتزقتها الذين جلبتْهم فرنسا الهمجية، وبمجرد وصولهم أطلقتْ عليهم صفة “”الأقدام السوداء”” ووضعتْ أياديهم المدنّسة في الجزائر المقدسة فلمْ يتركوا إثر ذلك في أيادي أهلها لا ثمينة ولا رخيصة من مختلف ما تكون به الحياة حياة ….
في ظل هذه النكبة المدمّرة التي غطّت الجزائر كلها ودامتْ طوالخمسة أجيال متتالية؛ تعرّض شعبها – وهو يقاوم بوسائل مختلفة -إلى الإبادة وراء الإبادة، والمجاعة وراء المجاعة، والوباء فوق الوباء،والإهانة مع الإهانة، والتجهيل بجانب التجهيل، والمسخ تلو المسخ،والإغراء إثر الإغراء، والقمع الدائم الشامل الذي ما فوقه قمع، وما يجرى هذا المجرى من أساليب استعمارية استيطانية هادفة إلى التدجين التام أو المحو التام … وبقدر ما كانت تلك المآسي نقمة وموتا يسيران جهارا نهارا بين الناس، لقد كانت أيضا مشتلة لإنتاج بذور حقد مطلق على فرنسا الهمجية عدوة الإنسان وحقوقه كما كانت مدرسة عملية لتربية أبطال الجزائر وبطلاتها الذين رفعوا من غير ملل ولا كلل راية الجهاد والمقاومة والإصلاح والنضال والثورة جيلا بعد جيل من أجل طرْد العدوة اللدودة مهزومة مدحورة ولو أدى ذلك إلى التضحية بمعظم رجال الجزائر ونسائها …
وهكذا تجلت الثورة التحريرية النوفمبرية خاتمة لمسار طويل عسير من المقاومات المسلحة وغير المسلحة بحثا عن معنى الحياة الذي عملت فرنسا الاستدمارية على وأده وهو حيّ يصرخ بأعلى صوته … قامت ثورتنا عملاقة جبّارة مغوارة ذات بأس شديد وحزم مجيد، وقام الأبطال في منتصف ليلة دامسة باردة فحوّلوا بعزمهم الخارق للعادة الظلامَ الدامس إلى أنوار رائعة أضاءت خبايا كل نفس كما حوّلوا بصدقهم الذي بلغ منتهاه البرودة المجمّدة إلى دفْء لطيف جعل الدماء مستعدة للسيلان بسرور تضحية ًمن أجل الجزائر في كل جهاتها وأصقاعها ومدنها وقراها ومختلف مرتفعاتها ومنخفضاتهاوامتداداتها الشاسعة المتنوعة، بغير استثناء يّذكَر …
لم يكن أمر الثورة الجزائرية في عصرها هيّنا سهلا كما تتصوره حاليا بعضُ الرؤى المحدودة … تعداد القاطنين في أرضنا زمن اندلاع ثورتنا كان تسعة ملايين نسمة، منهم مايفوق المليون نسمة بقليل من العسكريين الاستعماريين بمختلف أسلحتهم وألوانهم، ومنهم ما يفوق المليون نسمة بكثير من الكولون والأقدام السوداء ذوي الأصول الأوربية، والباقي أي ما لا يبتعد كثيرا عن ستة ملايين نسمة هم الشعب الجزائري الحقيقي صاحب الأرض المحتلة احتلالا استيطانيا بشعا همجيا… ومن هذا التعداد الجزائري الحقيقي كان استشهاد مليون ونصف المليون من المجاهدين والمجاهدات خاصة، والمواطنين والمواطنات عامة، وهذه نسبة 25 % من الشعب … ومن هذا التعداد الجزائري دائما كان المعطوبون والجرحى والسجناء والمنفيون والمطاردون والمهجّرون والثكالى والأرامل واليتامى بنسبة حوالي 25 % من الشعب …. والنصف الباقي من الشعب الجزائري قضى سنوات الثورة التحريرية مساهما فيها بجزء من القليل الذي يملكه وهو تحت المراقبة والقهر والرعب في كل مكان، لا سيّما داخل المحتشدات الجهنمية أو ضمن الأحياء الشعبية في المدن والقرى المحاطة بالأسلاك الشائكة المكهربة، ولم يكن خارج هذه التراجيدياالأليمة المريرة إلا الذين كانوا مُوالين للاستعمار وخانوا الوطن والانتماء بصفة أو بأخرى، وهؤلاء قضَتِ الثورة على بعضهم ثم التحق جلّ الباقي منهم بفرنسا حين استرجاع السيادة الوطنية …
ولم يكن استشهاد الشهداء والشهيدات بطريقة واحدة وإنما كان متعدد الطرق بتعدد الوسائل التي استخدمتها فرنسا الهمجية الإجرامية طوال سنوات الثورة التحريرية. فمنهم – رحمة الله عليهم أجمعين – مَن سقط برصاص المواجهة في معركة من المعارك الكبرى أو الوسطى أو الصغرى التي حدثت في مختلف أصقاع الجزائر وعلى رأسها جبالنا الشامخات، ومنهم مَن تمزّق تحت القذائف المدفعية القادمة من الجو بطائرته الصفراء ونفّاثاته التي قنبلت الجزائر عرضا وطولا أومن البحر بسفنه الحربية التي جعلت الشواطئ هدفا لها أومن البر عن طريق الدبابات والمدرعات والمدافع المجرورة و المحمولة، ومنهم مَن تشرذم فوق الألغام التي غرستْ منها فرنسا الملايين لا سيما في المناطق الحدودية أوالممنوعة باعتبارها أرضا عسكرية، ومنهم مَن ذبحته المنظمة الاستخباراتية الاستعمارية المندسة في صفوف الثوار بتسميّة “” اليد الحمراء / La main rouge””، ومنهم مَن احترق بالفسفور أو النّبّالم أو التفجير النووي، ومنهم مَن رحل تحت التعذيب اللاإنساني في الثكنات والثغور والفصائل الإدارية المختصة “” لصاص / La S.A.S “” والمكتب الثاني “”2ème bureau “” ومراكز الاستخبارات المتنوعة بأيادي مجرمي اللفيف الأجنبي والمظليين والحركى ومن على شاكلتهم من فاقدي أبسط معاني الإنسانية، ومنهم مَن تفحّم بكهرباء الأسلاك الشائكة،ومنهم مَن رمته المروحيات من علوّ شاهق – وهو حيّ مقيد اليدين والرجلين – في مياه البحر أو أحد الأنهار العميقة أو فوق صخور الجبال، ومنهم من وصلتْ إليه يد الاستعمار الغاشم في المظاهرات الشعبية العارمة التي عمّت المدن الجزائرية الكبرى وامتدتْ إلى قلب بلاد العدو، ومنهم مَن قتلته المنظمة العسكرية السرية “” O.A.S “”رميا بالرصاص في الشوارع أو تفجيرا بالقنابل في المواقع ذات التواجد البشري الحاشد… ومما تجدر الإشارة إليه أن أعدادا هائلةمن هؤلاء الشهداء والشهيدات لم يعثر أحد على جثامينهم أو بقاياهم إلى يوم الناس هذا …
وكان السلاح الرئيس الذي وظفته الثورة وشعبها توظيفا ممتازا منمازاليس هو مجرد البندقية والسكين والقنبلة مقابل الترسانة العسكرية العاتية التي وظفتها القوات الفرنسية – بدون حدود ولا قيود – وإنما كان شيئا آخر يمكن تلخيصه في سبْع ظواهر مركزية إستراتيجية،أولاها : الانطلاق من الإيمان بالله تعالى ومفهوم الجهاد الإسلامي في مقاومة المفهوم الصليبي الذي احتل به الاستعمار البلاد وشيّد له الكنائس في كل مكان… وثانيتها : التأسيس على أن حبّ الوطن مقدّم على حبّ الذات وحب الأسرة وحبّ الملْكية، والتضحية من أجل حريته واجب وضرورة فوق كل واجب وكل ضرورة … وثالثتها : اعتماد مفهوم العوربة بلغتها وهويتها التي ينتسب إليها معظم الشعب الجزائري في مقاومة مفهوم الفرنسة التي كان الاستعمار يعمل جاهدا من أجل ترسيخها تحت تسمية “” الجزائر فرنسية / L’Algérie française “”… ورابعتها : اعتماد فلسفة الجزائر التقدمية التحررية في مقابل فلسفة فرنسا الإمبريالية الكولونيالية كما أثبت ذلك الواقع على الأرض طوال قرن ونيف من الزمان … وخامستها : توحيد صفوف الشعب الجزائري توحيدا شاملا لخوض ثورته المصيرية خارج ما غرسته فرنسا الماكرة من صراعات عرقية وثقافية وجهوية وقبلية ومصلحية … وسادستها : تحديد هدف الثورة بوضوح في بيان أول نوفمبر 1954 ،وهو إقامة دولة جزائرية سيدة، ديمقراطية، ذات طابع اجتماعي، وفق المبادئ الإسلامية … وسابعتها : هيكلة الثورة ضمن ما كان يطلق عليه مصطلح “” النظام “” وذلك في “” جبهة التحرير الوطني “” سياسيا،وفي “” جيش التحرير الوطني “” عسكريا، ثمّ التوجه رأسا إلى الهدف من غير التوقف أمام أي حاجز مادي أو معنوي مهما كان نوعه، والشعار المجسّد لهذا التصميم الفولاذي العظيم هو ما ورد نصّا في النشيد الوطني :

“” وعقدْنا العزْم أن تحيا الجزائر “”
وتحقّق النصر العظيم للشعب الجزائري     واستعادت الجزائر سيادتها الوطنية … حينذاك
خَرَجَـــتْ أصْقـَاعُ الجَزَائِـــرِ تـَبْــكِي        فِي ابْتِسَـــامٍ، وَالجَـــوُّ فِيـــهَا ثـَنـَـــاءُ
صَـــاحَ كـُـلٌّ : تَحْيَا الجَزَائِـــرُ.. تَحْيَا      تَحْيَـــا.. تَحْيَـــا.. وَالنـَّشِيـــدُ حُــــدَاءُ
قـَسَـــمًا… بِالذِيـــنَ مَـــاتُوا سَنـَبـْـقـَى      أحْـــرَارًا، وَمَجْـــدُنـَـــا الشُّهَـــــــدَاءُ
قـَسَـــمًا… بِالذِيـــنَ غـَـــابُوا سَنـَحْـيَـا      مِثـْلـَمَــا كـَـــانَ يَحْلـُـــمُ الفُضَــــــلاءُ
وَلـْيُـــرَفـْرِفْ عِـــزُّ الجَزَائِـــرِ نـُـورًا       فَـــوْقَ نُـــورٍ، مَـــا دَامَتِ الأحْيَــــاءُ
وَبِـنـَا تَحْلـَـــوْلـَى الجَزَائِـــرُ جَيْـــــلاً       بَعْـدَ جَيْـــلٍ، وَيَسْعَـــدُ الصُّلـَحَــــــاءُ
وَبـِنـَا تَعْلـَـــوْلـَى العُرُوبَـــةُ تـَــــــاجًا       بِلِسَـــانٍ قـَـــدْ فـَضَّلـَتْـــهُ السَّمَــــــاءُ
وَيُنـَـــمِّي إسْلامُـــنـَا كـُـــلَّ خـَـيْـــــرٍ       فـَتـَسُـــودُ المَنَـــاقِـــبُ السَّمْحَــــــاءُ

1 تعليقك

اترك رد