عاشق السينما الساحر صاحب حداد


 

السحر هو حاصل عملية اندماج فني متطور جدا تقتطع فيه الاجزاءأوتتجمع فتذوب بعضها مع بعض لتبني فكر وثورة وفن عظيم ,هو سحر لكنه ليس تلك اللعبة القذرة التي يتاجر فيها الاغبياء ,بل هي لعبة فكرية نبيلة قوامها الحلم والفكر والفن والفيزياء والرياضيات لها قوانينها التي غالبا ماتبنى بشكل فيأتي اخر ليكسر ذلك البناء,ويأتي بأخر فتتعدد البناءات وتختلف وتتطور وتتفق على بعض ,وتختلف على البعض الاخر ,وانا ارى ان ذلك السحر اول مابدأ كان على يد ايزنشتاين وبودفكين ثم تعددت طرق وكيفية واشكال ذلك البناء ,وحتى في حالة الرفض التي دعا لها اندريه بازان وجماعته كان هذا السحر قيمة عظمى وعمودا فقريا للسينما انه المونتاج ,السحر,الشعر ,البناء,الاخراج الثاني,القراءة الاخيرة للخطاب ,بنية النص الاخيرة.هو لايحب التنظير,بل كان يعشق العمل, بدأ ممثلا في اكثر من فرقة ,فرقة اخوان للتمثيل والسينما ثم فرقة المسرح الحديث والمسرح الحر ثم مثّل دورا رئيسيا في فيلم (عروس الفرات )عام 1958 للمخرج عبد الهادي المبارك ,

وكان قد دخل معهد الفنون الجميلة عاشقا حقيقيا ولم يكتفي بذلك حتى سافر الى هنغاريا ليدرس المونتاج السينمائي ,وبعد اكمال دراسته غادر صاحب حداد الى لبنان عام 1964ليمكث هناك اكثر من 12 عام في ستوديوهات بعلبك مونتيرا لاكثر من 25 فيلم مصري ولبناني وعراقي وفلسطيني اذ قام بمونتاج افلام لمخرجين محترفين لهم اسمهم في الساحة السينمائية العربية منهم (هنري بركات ) في فيلم (حبيبتي)بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين عام 1974,و المخرج يوسف شاهين في فيلم (بياع الخواتم) للاخوينرحباني وبطولة المطربة فيروز عام 1965 وهو المخرج الذي يقول عنه صاحب حداد بأنه صاحب فضل عليه لانه تعلّم من خلاله تقنية العمل الحقيقية والصبر والتفاني وحب العمل السينمائي والثقة بالنفس وعدم الخوف من نتائج العمل مادامك تعيش حالة صدق حقيقي . وقام بمونتاج افلام محمد سلمان وسيد طنطاوي وفيلم (الغرفة رقم 7)عام 1966للمخرج كاميران حسني ,وفيلم (سائق الشاحنة)للمخرج يوشكوفنشينكش عام 1966وفيلم وداعا لبنان عام 1968 اخراج حكمت لبيب ,وفيلم كلنا فدائيون عام 1969 اخراج غاري غرايدبان وقد نال عنه الجائزة الذهبية لافضل مونتاج ,وفندق السعادة للمخرج فطين عبد الوهاب عام 1972 ,و(المخدوعون) للمخرج توفيق صالح عام 1972 , وفيلم (ذئاب لاتأكل لحوم البشر) للمخرج سمير خوري عام 1973,وفيلم (زوجتي من الهيبز) من اخراج عاطف سالم عام 1973 ,ثم عاد الى العراق حيث قام بمونتاج معظم واهم الافلام التي تم انتاجها انذاك متسلّحا بالعلم والخبرة العملية الكبيرة التي اكتسبها من عمله في هنغاريا ولبنان حيث قام بمونتاج وفيلم (حمد وحمود) عام 1986من اخراج ابراهيم جلال ,وفي نفس العام قام بمونتاج فيلم (الحب كان السبب) للمخرج عبد الهادي مبارك وفيلم (المنعطف) عام 1975 من اخراج جعفر علي ,وافلام (الرأس )عام 1976 و(النهر) عام 1987من اخراج فيصل الياسري,وفيلم (عرس عراقي) للمخرج محمد شكري جميل عام 1988 ,وفيلم( وجهان في الصورة )اخراج حسن الجنابي ,وفيلم (فتى الصحراء) عام 1991 من اخراج عبد السلام الاعظمي ,وفيلم (نرجس عروس كردستان) عام 1991 للمخرج جعفر علي ,وفيلم (الملك غازي )عام 1993 للمخرج محمد شكري جميل .


اضافة الى ترأسه واشرافه على الجريدة السينمائية .وهي جريدة سينمائية اسبوعية كانت تعرض في كل دور العرض السينمائية قبل حفلة الفيلم ومنها تخرج نخبة من اهم المصورين السينمائيين العراقيين منهم شكيب رشيد ويوسف ميخائييل ووليم دانيال ووسلمان مزعل .تميز صاحب حداد بأتقانه الكبير لعملية المونتاج السينمائي بطريقة علمية تحاكي ماتظهر به الافلام العربية والعالمية نتيجة لمهنيته المبنية على اصول علمية وخبرة كبيرة اكتسبها من عمله في مدارس واساليبسينمائية كثيرة ومع اسماء تعد من خيرة المخرجين العرب انذاك .ومع كل هذا النشاط الكبير لم يتوقف طموح صاحب حداد ضمن عمل المونتاج اذ تعداه الى اكثر من ذلك فلقد كان غالبا مايطمح ان يخرج فيلما وقد تحقق له ذلك عام 1979 بفيلم( يوم اخر) الذي ساهم بكتابته مع صباح عطوان ومحمد شكري جميل وقام ايضا بعملية مونتاجه.

في هذا الفيلم قام بتجربة تحدث لاول مرّة في السينما العراقية حينما استبدل صوت الممثل طالب الفراتي الذي قام بدور الشيخ بصوت الممثل طعمة التميمي ظنّا منه بأن الصوت عند التميمي والالقاءيشتغلان اشتغال اسلم مع كتلة وافعال وتعبير الشكل عند الفراتي.وتميز هذا الفيلم باشتغالات ستتكرر في افلام حداد القادمة وهي الاهتمام الكبير في اللقطة الكبيرة لشخوص فلمه خاصة في المشاهد التي تعتمد على الحواريات والانفعالات النفسية التي يهتم كثيرا بعرضها والتركيز عليها ,اضافة الى اهتمامه بتشكيلية اللقطة كل حسب حجمها مستغلا كل تفاصيل المكان الذي غالبا ما يرسمه وفق الرؤية التي ارتسمت في ذهنه عن موضوع مكان جريان حبكته .وبالرغم من احترافيته التي لا خلاف عليها في المونتاج ,

الا ان ذلك لم يمنعه من القيام بعملية المونتاج الداخلي المتوالد من حركة الممثل الذي لايهدأ وحركة الكاميرا التي ترسم الاحداث في المكان الذي يحتويها والابتعاد عن القطعات المونتاجية التي تأخذ من قوة الفعل وخلق حاجز مابين المتلقي والحدث .وكان يعمل على هذه الطريقة خاصة في المشاهد الخارجية من هذا الفيلم الاّ انه حاول ان يمزج بطرق اشتغالاتها البنائية في كل مراحل التجوال في الامكنة الخارجية منها والداخلية في فيلمه المهم (الحدود الملتهبة )1984الذي استعان فيه بمستشارين عسكريين وخبراء عالميين في التفجيرات التي كثرت في هذا الفيلم المصنوع بتقنية اراد من خلالها محاكات الافلام العالمية التي تناولت مواضيع الحرب ,وقد غالا في ذلك كثيرا حتى اثّر على خط سير الفيلم وما مطلوب منه ان يقدمه انذاك اباّن الحرب العراقية الايرانية,

 

واعترضت عليه السلطة حينما شاهدت جثث الجنود العراقيين وهي تتطاير بفعل القصف المدفعي الايراني حينما اراد ان يعرض تأثيرات الحرب على الجنود في المعركة وعلى المواطنين في الساحات والجامعات والبيوت وهي تقنية درامية تعلّمها من خلال التعامل مع الثيمة والحدث الواقعي من الافلام المصرية خصوصا . ويعد فيلم الحدود الملتهمة واحد من الافلام التي زاوجت بين تقنيات صناعة مشاهد المعركة وتقنيات بناء المكان الذي يحتويها وهي واحدة من مهام صاحب حداد التي اخذت من جهده الكثير قبل ان يبدأ بتصوير الفيلم . وتعددت هذه الاشتغالات في افلام صاحب حداد الاخرى ولكن بطريق اقل نضوج كما في فيلم (طائر الشمس )الذي كتبه جعفر علي عام 1991 وفيلم عماره 13 عام 1987 ,

الاّ انه صنع فيلما ممتعا وبايقاع سلس هو فيلم (مطاوع وبهيه)عام 1982 حاول من خلاله محاكاة الافلام المصرية التي تناولت موضوع البيئة المصرية خاصة فيلم الارض ليوسف شاهين الذي اثّر فكريا وتقنيّا على طريقة عمل صاحب حداد خاصة وان الفيلم يتحدث عن رجل مصري يريد انيقابل الرئيس السادات ليسأله سؤالا حيّر البعض وهو(ليه زرت اسرائيل يريّس؟) وقد قام بتمثيل الفيلم عدد كبير من الممثلين المصريين والعراقيين منهم عبد الحفيظ التطاوي وسهير المرشدي وكرم مطاوع وبهجت الجبوري واخرون .وقد حصل الفيلم على جائزة مهرجان كارلو فيفاري .

هذا هو الساحر صاحب حداد الذي ولد عام 1939 في بغداد منطقة المربعه وتوفي في 18\12\1994تاركا خلفه ثروة فنية قوامها سحر المونتاج وألق الاخراج وقمّة في الاخلاق وروعة في التعامل مع اصدقاءه وزملائه وعائلته ..رحل عاشق السينما كما اطلقت عليه المخرجة السينمائية خيرية المنصور في فيلم جميل قام الدكتور ثامرمهدي بكتابة السيناريو له واخرجته المنصور بأسم (عاشق السينما) عن المخرج الساحر صاحب حداد.

لا تعليقات

اترك رد