” عربة الأموات ” للروائي السوداني منصور الصويم

 

“عربة الأموات”
للروائي السوداني منصور الصويم
رواية المصائر المفجعة… تُعري الواقع و تفضح كل شئ

لا يملك قارئ هذه الرواية – التي يتصاعد لُهاثها السردي – إلاّ أن يحبس أنفاسه المتلاحقة و هو يصعد سلالم وصفها الأخآذ وصولاً الى شرفاتها التي تطل على ساحة المأساة..مأساة العمالة المهاجرة (أو المهجّرة) في بلدٍ يضطلع – على أكمل وجه – بمهمة سحق إنسانية الإنسان و تحويله الى مسخ شائه.و الى ركامٍ من التعاسة و الوعود الزائفة، فيتحول المشهد بأكمله الي فضاء مفتوحٍ للألم و التراجيديا، حيث تعانق الشخوص مصائرها المفجعة و هي تمضي في دروب الأنين.

في هذه الرواية، يتشكّل مربع السرد من أربعة شخصيات رئيسية هى: السائق فضل الله (سائق عربة الأموات)، و الدكتور مكي ( طبيب مساعد إختصاصي)، و الصادق سليمان ( موظف بالقصر و خادم لمذاته)، و أيمن فخري ( صحفي علماني متمرد)..و هم في تشابكهم و افتراقهم السرديّ ينسجون خيوط الحكي الفانتازي التي يُمسك بأحد أطرافها (غرابٌ) ناطق يرمز الى ضمير الراوي الحيّ.و يذكرنا بغرائبيات كافكا في روايتيه (المسخ ) و (تحريات كلب) اللتان يتأنسن فيهما الحيوان و يغدو فاعلاً في عملية السرد الروائي.

و تلك الشخصيات المركزية الأربعة هم أصدقاء هاجروا من السودان للعمل في الرياض. و قد ساقتهم مصائرهم البائسة – التي يشترك فيها معهم معظم المهاجرين -الي العمل في ظروف تختصم مع كل ما هو إنساني، حيث “ لا أحد يتفقد أحداً هنا ، الكل سادر في لزوجة الريال داخل خلية الإسرقاق الكونية هذه” ( ص263). إنهم يشكّلون أضلاع المربع الروائي المحكم سردياً، و المحكوم بالبشاعة.فالضلع الأول: حامد

فضل الله وجد نفسه يلوك الأسي و هو يقود عربةً لنقل جثث المهاجرين (من جنسيات مختلفة) لمقبرة لا تُدفن فيها أجسادهم فقط،بل هوياتهم و أحلامهم و عذاباتهم الطويلة.و يرافق فضل الله – في هذه الرحلة – غراب فضوليّ، يؤانسه و ينادمه..إنه ضميره، أو (أناه) الأُخرى التي تنتصب في مواجهته ( و مواجهة أصدقائه الآخرين) نصحاً ونقداً و سخريةً أيضا. يعشق حامد فضل الله إحدى الجثث العائدة من الموت و هي ( الخادمة الأثيوبية روز). كما يعاقر الخمر و يشد باقي الأصدقاء الى وكره المهيأ للأُنس و المتعة. والضلع الثاني: هو الدكتور مكي الفكي، جاء في هجرة مؤقته لجمع المال بنيّة السفر الى بريطانيا لتلقيّ الدراسات العُليا، فينتهي مصيره الى مطارد من قبل العدالة لتورطه في عشق الممرضة الفلبينية (آن) التي هي بدورها تحاصرها المأساة و شبح الموت فلا تجد أمامها سوى الهروب الى عاصمة بلادها (مانيلا ) مكسورة الأحلام و الذاكرة.أما الضلع الثالث: الذي يمثله الصادق سليمان، فقد إنتهى به مصيره البائس الى غياهب السجن بعد تورطه في علاقة جنسية مع الراقصة المغربية في إحدى ليالي القصر الماجنة، والتي إنتهت بإنتحار الصبي السوداني الشاذ متوكل (المنذور لمتع القصر و إرضاء ضيوفه)..خرج الصادق سليمان من قصر المتعة و موظفيه الشواذ و لياليه العاهرة ليتلقّفه فراغ المدينة و هو ذاتاً محطمة، لينتهي مصيره عند مغامرة الهروب الى السودان. و الضلع الرابع: أيمن فخري ساقه مصيره المشؤوم الى العمل في موقع ألكتروني يديره السلفي المنافق ( أبو عبدالله) بصحبة السوداني (أبوالبراء) المتحوّل الي التطرف الذي إنتهي به مفجراً نفسه في بنغازي. و كان يعمل برفقة المصري خالد عطية و اليمني عزيز العلواني (ثنائي النفاق و الإنتهازية). ينخرط أيمن في علاقة جنسية /عاطفية ساخنة مع الأرملة السودانية سمية (التي تملك وكراً للمتعة بعد وفاة زوجها لترعى أطفالها الخمسة) ، و ينتهي مصيره هو أيضاً كمصير رفقائه المأساوي.

منذ اللحظة الأُولى ينفتح السرد على المأساة ، التي تخيّم على شئ ، و ذلك عندما ينفتح الباب الخلفي لعربة الأموات كاشفاً عن أربع جثثٍ في طريقها لمقابر المجهولين في الرياض. و من هنا تبدأ الحكايات ( المأساوية) تتوالد من أرحام بعضها البعض، و هي تسوقنا من كارثةٍ الى أُخرى عبر عملية سردٍِ دارمي محكمة تستوي على ثلاثة أعمدة أساسية هي: الموت و الدين و الجنس. إذ أن كل شئ محكوم بالموت و الضياع : موت المهاجرين (سربلة) و موت المثلي الضائع (متوكل) إنتحاراً ليهرب من قسوة المتعة البربرية، و موت (أبوالبراء السوداني) – ضحية التطرف – في بنغازي بحزام ناسف، و موت الأحلام، و موت الضمائر. أما الدين، أو التدين الشكلي فيتجلي في سلوك الشيخ أبوعبدالله و السوداني أبوالبراء و مجموعة الشيوخ ( الكفلاء) الذين يحرصون كل الحرص على أداء الشعائر ليتفرغوا الى الفجور. و لدى المشرف علي المقبرة (الشيخ سعود الجديع ) و الحارس الملتحي في المستشفي الذي يتحرش بالممرضة (آن) و عند رفضها له يحاول أن يوقع بينها و بين عشيقها الدكتور مكي.كما و يظهر في كل أشكال الرياء التي يمارسها مجتمع والغٌ في الرزيلة و يتظاهر بالفضيلة. و نجد الجنس يهيمن على كل مفاصل الرواية بصورة جعلت السرد ينغمس في لغة (آيروسية) صاخبة و مباشرة بغية تعرية مجتمعٍ فاجرٍ تغطيه أوراق التوت (الدينية/الأخلاقية) المزيّفة.و قد ظهر هذا النوع من الميول الى المباشرة في اللغة الآيروسية في كتابات عدد من الروائيين المحدثين (بركة ساكن،محسن خالد،طه جعفر،عماد براكة و آخرين) …و هو منزع جديد في الكتابة الروائية السودانية (يستحق التأمل و التوقف عنده !!!). فالجنس في هذه الرواية مسيطر على ليالي قصر (الشيخ طلال) بألوان متعته جميعها.و يتجلى في علاقة الصحفي أيمن مع الأرملة السودانية سمية.و في الإغتصاب الذي واجهته الأثيوبية روز .و في الأفلام و الصور الإباحية المودعة في هاتف أبي البراء، و في مجون الشيوخ الآخرين. و لا يبدو حضور الجنس في الرواية ساطعاً إلاّ بقدر حضور اللغة

الوصفية المباشرة التي عمد اليها الروائي لعكس بشاعة هذا الواقع المسكون بهوس الجنس، وهو في الغالب جنس لغرض التعذيب أكثر منه لغرض المتعة.

هناك عنصرُ هام يحكم بنية السرد، وهو الخوف الذي يسيطر على كل شئ..الخوف من السلطة، و الخوف من الكفيل و الخوف من المصير القاتم و الخوف من العودة للبلد الأم ( السودان) و الخوف من الموت و الخوف من الخوف نفسه: “ الخوف كماشة جديدة تضاف الى شراك هذا المكان،الخوف من الكفيل و سلطته، و من زملاء العمل و خستهم، من الغربة في جوف الغربة،و الخوف من الدائنين و مهاناتهم، من العودة لمواجهة مصير مجهول، الخوف من الإحتياج و الفاقة،الخوف من تلك الظروف الماحقة هناك في السودان،الخوف من فقدان دعة كاذبة تحققت هنا، إنه الخوف من الخوف” (ص 140).

اللغة:

إختار الصويم -الذي إستند على ضمير الغائب في سرده الروائي – اللغة الوصفية الدقيقة على حساب الشاعرية التي تخففت منها الرواية.و بذا أصبحت الأماكن هى سيدة الحدث الدرامي بإمتياز.و قد برع الروائي في نقل تفاصيل الأماكن بعدسة سينمائي ماهر. و أفاض في وصف شخوصه و إنفعالاتها بما يجعلك تغضب لغضبهم و تبكى لبكائهم و تفرح لفرحهم و تقلق لقلهم.

هنا يتبدى الصويم سينمائياً أكثر منه كاتباً،فهو يصور أكثر مما يكتب.و قد فرضت هذه اللغة الوصفية البارعة سطوتها على طول الرواية لتتراجع أمام عنفوانها اللغة الشعرية التي إنخفض منسوبها كثيراً. و يبدو أن تغلغل المأساة في عصب السرد هو ما ساقه لذلك.

الغراب:

لو كان لهذه الرواية بطلاً أوحداً لكان الغراب،الذي أُبتدر به السرد،و به أُختتم أيضاً ( فلا غرابة أن يحتل

لوحة الغلاف). و بين المبتدأ و الختام إمتشق (الغراب) حسام الحكي كائناً ناطقاً،يرشد و ينصح و ينتقد و يسخر و يهاجم و ينكمش و ينطلق،متحركاً بحرية بين الشخوص المركزية للرواية .فكان هو ضمير الشخوص و صوت الراوي في ذات الوقت. لقد كان بحق محور الرواية و دليل شخوصها الذين ( لا وصلوا و لا وصل ال ….)

هكذا – و من خلال هذا الدليل – تنفتح الرواية في ختامها على إحتمالات شتى، عبر مشهدٍ درامي تحاول فيه شخوصها (المحطّمة) الخروج من ذلك الواقع القاتل في هروبٍ جماعيٍ داخل (عربة الأموات) التي يكون دليلهم فيها الغراب، حيث تحملهم (أحياءً/ موتي) الى مصيرٍ مجهولٍ ظل مشرعاً علي كافة الإحتمالات.

6 تعليقات

  1. Avatar أبومدين مأمون كروم

    الحبيب بكري جابر.
    من خلال قراءتي الدقيقة لما تفضلت به من نقد بناء مغلف بامهات العبارات اللغوية الجميلة و انت تسوقنا الي مخبأ الكاتب السري الذب اخرج لنا منه هذه الرواية و التي تدور احداثها بشخوصها المذكورة غي الرياض.
    كاتبك يتمتع بحس قصصي عالي الوصف وهذا طبعا استخرجته من جماليات النظم و الترتيب الذي تفضلت به و لا قروء في ذلك.
    الا انني أختلف مع الكاتب في بعض ما دار من جوار قصصي مشبع بنغمة فكرية ايدلوجية اراد الكاتب من خلالها إرسال رسائل عدة للقاريء الحصيف و حسب معايشتي لواقع مماثل او قبل ذلك عشت نفس الواقع في ذات المسرح الذي انطلق منه الكاتب لم اجد او اشاهد تلك الاحداث حينها ربما يكون المجتمع مغلق و تظهر بعض الافرازات لكنها ليست بذات المشهد الذي ذهب اليه الكاتب.
    كما زكرت انفا الايدولجية الفكرية و التوجه قد طهر بجلاء من خلال الفكرة الا انني لم ألتمس الواقعية في السرد و الحكي لربما لم اطلع علي النص بشكل واضح وكامل و الي ذلك الحطن تجدنب اتحفظ لبعض الوقت حتي ننال شرف الإطلاع.
    و ما شدني للتعليق دائما هو غزارة اللغة وجمالية الوصف و ترتيب الكلمات و المعاني المنتغاه بعناية الرجل العارف.
    تشكر ابن اليي و ابو اليس علي المفردة الجميلة و حتي نلتقي.

    أبومدين كروم
    الامارات..دبي

    • Avatar بكري جابر

      عزيزي الفاضل ابومدين:
      شكراً جزيلاً لزيارتك الأنيقة لمقالي..و شكراً للإطراء الجزل …انت الناقد الحصيف ..و القارئ الشوّاف…عليك بقراءة الرواية (ابحث عنها بمعرض الشارقة للكتاب) …فبغض النظر عن نظرتها للواقع،ستجد فيها متعةً و تشويقا.
      اشكر لك إهتمامك و جمال كلماتك

  2. Avatar نورالدين مدني

    شكرا الرائع بكري
    سرد مشوق لرواية عربة الاموات للروائي السوداني منصور الصويم

    • Avatar بكري جابر

      شكراً استاذي المتميز نورالدين…الرواية فعلاً ممتعة ..و الصويم كاتب جميل

  3. Avatar كامل آدم

    أسقمني حقيقة حديث الأخ (أبو مدين مأمون كروم)، في منحاه لمحاكمة (نص) الرواية المشار لها بالقراءة النقدية .. فلا يمكن أن تضيء مجرد قراءة نقدية – محصورة في مقالٍ واحد – مهما كانت درجة شموليتها رواية كاملة، فهل يا ترى إستطاع هذا الناقد (أبو مدين) الإحاطة (غيبياً) بكامل ما جاء في الرواية ل(يحاكمها) بهذه الصورة التي برزت في تعليقه؟!!

    أثمن عالياً القراءة النقدية النابهة للأديب بكري جابر، رغم أني لم أحظى بقراءة الرواية المشار لها في هذه القراءة النقدية الباذخة .. وهذه القراءة النقدية بما إشتملته من ثراء نقدي زاخر بالتعابير الإبداعية، أضحت تحفزنا أكثر على قراءة الرواية ..

    تقديري

  4. Avatar أبومدين كروم

    أولاً يا أخ آدم أنا ليست بناقد و ليس هذا تخصصي و ذلك للمعلومية ووضع النقاط فوق الحروف ، ثانياً – ما إلتمسته من قراءة نقدية جميلة و نابهة كما ذكرت أنت لأبننا بكري قد أثار فضولى و اسكب هذا أفحساس من طلق التذوق النقدي و ليس من منطلق الإحترافية النقدية لأن هذا الجانب أو الحقل له أهله و منهم إبننا النابهة بكري جابر ، و أنا ياخي آسف جداً لو أسقمتك برأي الشخصي و أنا لا أريد منك أي مدح أو لما تفضلت و الأجدر بك أن تطرح رأيك الشخصي حول ما هو مطروح من قول منسوب لصاحبه و ليس أن تحاول إبراز قواك النقدية تجاه ما تفضلت به أنا ، و كما ذكرت آنفاً أنا لست بناقد و ما تفضلت به من رأي و أصر على هذا الرأي يخصنى أنا فقط و أشكرك على ترك الأصل و تطاول لك على الفرع سيما أصحاب الرأي و التخصص لم يهاجمونني بهذه الطريقة الغير متوقعة .

اترك رد