الصراع بين الأخلاق والدين

 

إنشغل العديد من الفلاسفة والمفكرين والمثقفين، سواء الغربيين أو العرب والمسلمين، في تحديد وتعريف ماهية الأخلاق وعلاقتها بالدين والمجتمع والأفراد، وخصوصا بعد الثورات العلمية والصناعية والمعرفية التي ألقت بظلالها على جميع المصطلحات والمعاني واللغات التى لها علاقة بالتصرف والسلوك والأفكار. وتاريخيا، عرف الإنسان التجربة الأخلاقية حين بدأ بإصدار أحكام قيمية على سلوكه وسلوك الآخرين تتعلق بالخير والشر والخطأ والصواب، وهذه الأحكام أو القوانين البدائية شكلت منظومة حكمية ضابطة لسلوك وتصرفات الفرد والمجموعات داخل المجتمعات القديمة. فلا مجتمع بشري بدون قيم خلقية تكون ضابطة لسلوكات الأفراد. فالانسان وحده هو الذي يحمل صفة الكائن العقلاني الاخلاقي لأن القيم الأخلاقية أصبحت تقترب من ضرورات وحاجات البيولوجية.

وقد قال سقراط “أن الفضيلة علم والرذيلة جهل”.. فالأخلاق هي جملة المبادئ النظرية والقواعد العملية التي على المرء إتباعها ليحيا وفق طبيعته بوصفه كائن اجتماعي له طلبات وغرائز وحاجات.

وفي جانب آخر، قدمت الأديان في نسختها السماوية والأرضية الأخلاق بكونها ذات صبغة إلهية وتوصيات دينية تنبع من لدن الوحي وتوصيات الأنبياء والرسل والتابعين. فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق والأداب التي حث عليها الإسلام وذكرت في القرآن والسنة اقتداء بالنبي محمد الذي هو أكمل البشر خلقا لقول الله عنه “وإنك لعلى خلق عظيم”..وبهذا انحصر معنى ومفهوم الأخلاق في المجتمعات العربية والاسلامية في الدين فقط وفي التراث الإسلامي الذي يعبر عن كمال الأخلاق ومعناه ونهاياته.

لكن السؤال المهم اليوم، وبعد ما ذكرناه من تقدم الإنسان علميا وحضاريا ومعرفيا، وبعد توسع العلاقات البشرية وانفتاح الشعوب وظهور الفلسفات الحديثة والقوانين العلمانية المدنية هو ، هل للأخلاق علاقة بالدين؟.. أي هل يجب على الانسان أن

يخالف انسانيته وفطرته كي يمارس او يتصرف بشكل غير أخلاقي لمجرد أن الفعل المطلوب تنفيذه هو أمر شرعي وواجب على الإنسان؟؟ وكمثال على ذلك نقول هل السبايا وملك اليمين وزواج القاصرات أفعال أخلاقية بمفهوم الأخلاق الحديث؟..أم انها تصرفات وسلوكيات مقبولة بل ويجب تطبيقها لأنها مشروعة دينيا وتم تنفيذها في التاريخ الاسلامي؟؟.. وفي تساؤل آخر هل ما تم تصويره مؤخرا في الكويت عن إلقاء القبض على رجل أو إمرأة وكشف ملابسها لإثبات وجود وشم على الظهر كمخالفة قانونية لعاملة تعمل في أحد المقاهي يعتبر أمرا لا أخلاقيا ومنافيا لحقوق الجسد وكرامة الوافدين أم أنه تطبيق للقانون؟؟ وهل لو كان هذا أو هذه المخالفة لمواطن كويتي فهل يتجرأ المفتش بعرض صورة المواطن؟؟.. لا شك أنها اشكاليات عميقة، فالأمر لا يتوقف عند هذا الحد..فما كشفت عنه الحادثة هو ردة الفعل بين افراد وجدوا في هذا التصرف أمرا غير لائق بل هو بمثابة تعدي قانوني ودستوري على قيمة الإنسان وجسده مهما كانت انتماءاته أو ديانته أو ميوله الجنسية.. وبين أفراد وجدوا أن المتهم يستحق التشهير، ليس فقط لأنه مخالف بل لأنه ايضا متشبه بالنساء وهو ما يؤذي مشاعرهم الإسلامية ويعتدي على مجتمعهم المحافظ كما ذكر البعض.. وهذه الحادثة دليل على خلط الكثير من الناس بين الأخلاق والدين، بل نجد الكثير من الناس تصرح أن لا أخلاق بدون دين وهذا خطأ كبير، فالأخلاق هي المنظومة الضابطة للسلوكيات المقبولة التي تتوافق عليها الجماعة وفق القانون المتوافق عليه دستوريا ويمثل العدالة والمساواة، وليس وفق رأي أو دين أو مذهب الأكثرية، ومن جهة أُخرى هناك أعمال مستهجنة ومرفوضة لا يقبلها الذوق الاجتماعي، ولا تتوافق مع طبيعة العلاقات الانسانية الاجتماعية، وهذه أيضا يحددها القانون بشرط ان لا تتعارض مع حرية الآخرين. إذن هنا نستطيع أن نقول بأن المبادئ الأخلاقية مختلفة ومتعددة عند الشعوب، ونسبية. فهناك أخلاق وقيم راقية وحضارية وتعتبر من العادات السائدة عند شعب، بينما تجدها غير مقبولة وممجوجة ومستهجنة بل وحرام عند شعب آخر أو حتى عند نفس الدين او نفس المذهب.. فحشر الأخلاق في الدين فقط ورفض نسبيتها واختلافها بين شعب وآخر

يجعل من الانسان خاضعا لمبادئ قديمة لا تتوافق مع العصر الحديث أو تعتبر بمثابة ثقل وضغط نفسي يؤدي بالنهاية الي مضاعفات نفسية وعقلية وتشوهات في التصرفات والسلوك الانساني القويم. فإضفاء صفة القدسية على الأخلاق، يجعلها بدلا من أن تكون غايتها خدمة الإنسان في الحياة بتنظيم علاقاته الاجتماعية، تصبح أن لا غاية من وجود الإنسان إلا خدمة الأخلاق المقدسة.

فالعادات والتقاليد مثل الشرف والأكل واللباس والزواج والصدق والشجاعة والكرم واحترام الجار والصداقة هي أخلاق تختلف في تعريفها وتطبيقاتها من شعب الى آخر، ومن بيئة الى أُخرى. وكذلك اليوم تعتبر المثلية وحقوق الانسان والإجهاض والإستنساخ والإعدام والإلحاد، من القضايا الأخلاقية التى يختلف عليها الناس، ولم تعد ملحقة بالدين أو بالتحريم الأبدي .. أي أن الأخلاق تتطور وتتغير وتتشكل حسب الواقع وحسب الحياة ومتطلباتها بما يحفظ للإنسان حريته وكرامته ورأيه.

فلا مجال اليوم أن يكون الإنسان وصيا على الأخلاق أو على الإنسان، ولا مجال أن يعتدي أي فرد على حرية الآخر طالما لم تؤدي حريته الي إحداث الضرر والأذى، ولا مجال أن يتم إهانة كرامة أي إنسان لمجرد أنه مختلف عنك في الدين والمذهب والميول الجنسية..فالإنسان قيمة عليا، وهو صانع الحضارة والعلم والفلسفة والفنون، وإهانة عقله وجسده هو اعتداء صارخ وقبيح على قيم الحداثة وحقوق الانسان والحريات الفردية.

1 تعليقك

  1. Avatar د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

    سلم قلمك وفكرك النير.. اليوم نبحث في قيم تجسد قواسم مشتركة بين الناس ولا تخضع لأحادية يستغلها رجال دين لا يفقهون حتى بالدين … لنتجه معا وسويا إلى حبث العقد الاجتماعي منجز قيمي أخلاقي مجتمعي ينبع من واقع تاريخي مشروط زمنيا مكانيا…
    ليكن التنوير طريقا لتعزبز الجوانب القيمية المشتركة
    دمت متألقا
    شكرا لهذا التحليل
    ولتتفتح آفاق حوارات معمقة بخاصه في مجتمعات تتحكم بها ظلاميات بل ضلال بعض من كهنوت مزيف
    وتحايا متجددة

اترك رد