في البدء كانت الدولة – ج 1

 

إذن.. ما هي الدولة؟ الإجابة على هذا السؤال ضرورة حتمية ونقاش دائم لا ينقطع بين أفراد الوطن الواحد ولا يمكن السماح لأي شخص أو كيان أو مؤسسة تعطيل هذا الحوار، ولا بد من ترسيخ مبدأ دستوري ضامن لقيام هذا النشاط الإنساني الأصيل، وذلك من كونه الدلالة المنطقية التي سوف تشير إلى الجسر المُعلق والوحيد الذي يبدأ وينتهي بين كتلة الشعب _ مع اختلاف شرائحه _ والنظام القائم _ مع اختلاف توجهاته وفلسفته في الحكم _ ، ومن ثم تُصنف الدولة على حسب عمق تفاعل هذه العناصر الثلاث “كتلة الشعب، الجسر، النظام الحاكم” سياسيا واجتماعيا وثقافيا وحتى عسكريا.

وكلما اتضحت معالم هذا الجسر التمعت الأفكار المارة والمتدفقة عليه ذهابا وإيابا من وإلى الشعب والنظام. من هنا يمكن قياس كثافة الهيمنة المتاحة أوالمسيطرة على مساحة جغرافية بعينها محققة ( أي الدولة في صورتها النهائية أو قبل النهائية “الدولة المتخيلة أو المتوقعة”) في الواقعي الممتد جذوره في التاريخي الخاص بها، وايضا توقع مدى كثافة الهيمنة على نفس الرقعة الجغرافية والتي تتحرك في الزمن بطبيعة الحال في اتجاه مستقبل يتم تفصيله بشكل أو بآخر على مقاس شخصيتها ومضمونها المتطور.

وبالتالي سوف يكون تحديد مصدرها “أي الهيمنة” بسهولة وبالعين المجردة دون استعمال آليات تحليل الواقع السياسي أو حتى خطابه إلى حد ما، وذلك حينما يستخدم المعيار الأولي لتحديد شكل الدولة والولوج لجوهرها ألا وهو..كيفية تحديد “ثقل / خفتة” كثافة الهيمنة وعلى من تقع على عاتقه.. الشعب أم النظام؟. وتأسيسا على هذا المعيار تتكشف لنا حقيقة البناء الدائم لقواعد جسر التواصل من قبل المجتمع ومده بقوة ناحية النظام القائم، وذلك لاحتياج المجتمع الدائم لفرض هيمنته في مقابل صد هذه الهيمنة بهيمنة مضادة أقوى اكتسبت خصائصها من قوة النظام الذي استمد قوته بدوره من قوة القانون إن كان إيجابيا، وبقوة اللاقانون إن كان سلبيا فضلا عن تحكمه في مؤسسات الدولةبشكل عام.

استخدم هنا معيار “الثقل / الخفة” لقياس كثافة الهيمنة داخل دولة مصر أو “شبه دولة مصر” كما يصفها رأس الحكم الرئيس “السيسي”، وهو المصطلح الأقرب للحقيقة من حيث قياس الواقع والوقوف على نسبة تشبعه بهيمنة النظام القائم، وإن لم يصف “السيسي” دولة مصر في عهده بهذا المصطلح لوصفه غيره بلا أدنى شك، ويرجع هذا إلى عدم طرح السؤال الجوهري الذي طُرح في بداية المقال ألا وهو.. ما هي الدولة؟ من الأساس!، من قبل المؤسسة العسكرية أو المشير السيسي وقتئذ من جانب ومن جانب آخر مجموعة الرجال الذين التفوا حول الخطاب الذي اطلقه السيسي بعد قيام الموجة الثورية المجيدة الثانية في 30 يونيو وطرد وعزل مندوب الجماعة الإرهابية من قصر الاتحادية، ومن ثم ترك الأمور برمتها للظروف. ويقصد ويشار هنا إلى الحياة السياسية الخاوية تمام من أي نشاط سياسي يذكر، وبالتالي فرض هيمنة النظام على كل كبيرة وصغيرة، فضلا عن اقصاء المعارضة وتشويها إعلاميا إن لزم الأمر، وهذا المبدأ راسخ في سياسة مصر الداخلية منذ ما يعرف بثورة يوليو 1952 م، ويعرفه القاصي والداني.

أثناء ثورة 25 يناير وبعدها ارتفعت أحلام المواطن المصري السياسية إلى أبعد نقطة من الممكن تخيلها، وظل الحديث عن الوطن مصر يدور في كل الانحاء ليل نهار في المواصلات العامة وعلى المقاهي وداخل الأسرة الواحدة،وكان يحتد النقاش بين من هو معارض ومؤيد، ولكن كان قائما وله حضور بمذاق الثورة والانتصار وأحيانا أخرى كان بمذاق الفراق والدموع على شهداء الثورة أصحاب المجد الحقيقي، هؤلاء الأبطال اليوم لم يعد أحد يذكرهم بكلمة واحدة!، وهم من هم أصحاب الجين المصري الأصيل والسبب الأول والأخير في وجود هذا النظام الذي قال رئيسه ذات يوم في احدى خطاباته الطويلة المفعمة بالإرتجال “علينا أن ننسى هذه الفترة ونبدأ من جديد”، ولم يحدد إلى أين نحن ذاهبون!، وما هي الدولة التي سوف يؤسسها وعلى أي أسس ومبادئ سوف تقام خصوصا أنها مصر الوطن وبعد ثورة!.

لا تعليقات

اترك رد