الذات… الهوية… التشتت في تجربة الشاعر يوسف الصائغ – الجزء الاول

 

لا يمكن الحديث عن تجربة يوسف الصائغ الإبداعية بكلام بسيط او عابر ينجسم مع اعجاب اللحظة، وإنما لا بد من الرؤية بدقة عالية وتصوّر نقدي ثاقب؛ لأنّ الحديث عن تجربة شاعر مثل الصائغ؛ هو تصوّر عن حياة ثقافية تعرضت لجملة من الإرهاصات بسبب تداخل الثقافة بالسياسة، وتقديس الآيديولوجيا على حساب الفعل الإبداعي الخلاق، ولعلّنا نتذكّر ما تعرّض له السّيّاب بسبب ذلك التحوّل في تجربته الفكرية أو مزاجه الآيديولوجي، وما رافق ذلك من نقدٍ ساخرٍ حول تجربته والنيل منها، وكل ذلك يعود إلى قداسة الآيديولوجيا على حساب الثقافة.

والصائغ شاعر مبدع وروائي وقاص ورسّام ونحّات ومسرحي، إشكالي في الحياة والوجود والكتابة، يكسر النمطي ويهشّم السائد، جدلي، قلّما وجدنا من الشعراء من يسلك طريقه، واعتقد أن تمثيل صورة الحق/ الباطل، والبطل/ الخائن، والأبيض/ الأسود من الامتيازات التي تتمثل في شعره وتجربته الإبداعية، ويقف عندها مشكِّكاً في شكل الثقافة/ الأفكار/ الحياة، هذه الثنائيات هي التي عزّزت من قيمة الصراع داخل نصّ يوسف الصائغ، بمعنى أنّ الأفكار التي انطلق منها، والديالكتيك الذي ترسّخ في داخله وتحوّل إلى قناعة، جعلت منه في حالة عدم ثقة بالنمطية، ولا الإيمان بالسائد.

ولا يتوقف الصائغ عند صورة واحدة، وإنّما يقترب من حالات تمثّل صورة الحياة في الحق/ الباطل، والغالب/ المغلوب، والبطل/ الخائن، والمسيح/ يهوذا، لذلك وجدنا مالكاً بن الريب، ويوسف الصّدّيق في إبداعه حاضرين كجزء من المنطق الإشكالي في الحياة، وهذا يثبت تشبثه بالشخصيات المتحرّكة والقلقة في التاريخ والثقافة والحياة، وهو تمثيل حقيقي لصورة الصراع في الحياة بين الخير والشر، ما يقدم امتيازاً خاصاً في الإبداع.

هذه الثنائيات لعبت دوراً واضحاً في تجربته الشّعرية بتمثله شخصية مالك بن الريب، إذ اتخذ من هذه الشخصية عنواناً لمجموعته الأولى(1)، وعنواناً لسيرته الشخصية(2)، لذلك وجدنا شخصية مالك بن الرّيب قد تسلّلت إلى قصيدة طويلة من قصائده.

ومع ما تمتاز به هذه الشخصية من إشكالية في التاريخ والتراث، وجدنا أنّ الصائغ تمثلها للتعبير عن لحظة القلق، واللعب مع الثنائيات في حياة بدت فيها الحدّيّة والاصطفاف مع طرف من دون آخر موتاً غير معلن، لذلك وجدنا الندم حاضراً في صوت ابن الريب، والبراءة من الموقف:

ترجّل
فإن القطا نائمُ
والقوافلُ متعبةُ
هوّم النازحون لطول السرى
سوى فارس، ما ينام
يمنّيه هذا الدّجى بسهيل
ترابُ
(سهيل) انطفا
واستراحتْ على حلم صهوة
وخيامُ
وساوسها الرملُ بين جفونكَ
تعمى عليكَ عيونُ اليتامى
تشيحُ العواصمُ حين تمرُّ
واتركُ وحدي
(فيا صاحبي رحلي
دنا الموت… فانزلا )
في جبل الزيتون
حيثُ يوقظ الموتى ضياءُ البدر
تكون بندقيّتي
مثلي أمام العصرْ
فارغةً
إلا من الرصاصة الأخيرةْ (3)

إنّ قراءة نقدية متفحصة، تكشف عن ذلك القلق الظاهر في القصيدة التي تنمو بنحوٍ حواري غير معلن، في السؤال والإجابة، من دون ذلك التصريح الذي نجده في نصوص أخرى عن طريق العلامات (علامات الترقيم)التي تدلّ على ذلك، وأقصد بالعلامات الحوارية التي تؤشر الاختلاف الحواري ما بين الشخصيات( -،؟)، وربّما من الأسباب التي تدعو إلى التفتيش عن ذلك القلق عن طريق حوارية مالك بن الريب مع ذاته وشخصياته، هو أن شكل الحوار داخل القصيدة يعبّر عن قلق الشاعر، فجملة (ترجّل) تحيل بالضرورة على دفع الشاعر بالشخصية إلى التوقف عن تلك المغامرات والمعارك في الحياة والثقافة والآيديولوجيا والنزول الى الحياة بعيدا عن مغامرات الفكر والسياسة، وما تسببه من مأزق على حياة الانسان والمبدع، وكأنّما تشير الجملة إلى لحظة الانكسار وأن لا جدوى من الاستمرار بالعنفوان، وهو إحساس رافق الشخصية التي سعى الصائغ إلى تمثلها في قصيدته (اعترافات مالك بن الريب) الذي يحمل من الندم الشيء الكثير، والاعتراف يأتي للتعبير عن حالة الانكسار والخطيئة.

من بعد ذلك نجد أن الإحساس العام الذي رافق جموع الشخصيات وحشودها داخل القصيدة دفعهم إلى الاستكانة والقبول بالأمر الواقع بعد رحلة العذاب، لذلك وجدناه يقول: (القوافل متعبة، هوّم النازحون لطول السرى)، وهو لا يتوقف عند تلك الاستكانة، وإنما يبحث عن ذلك الأمل، والقلق يساوره بين الشك واليقين، الصدق والكذب، السير والتوقف (سوى فارس ما ينام)، لينبثق – بعد ذلك – حوار داخلي تأتي أصداؤه عن منولوج الشخصية في الإجابة عن هموم الشاعر في تعبير يدلّ على سخرية عالية (تراب) أي بمعنى (اسكت، يكفي، عمى).

وتتعزّز هذه الإجابة بإجابة الحوار الداخلي عن عدم القلق في (سهيل انطفا)، فلا داعي للقلق أمام هذا الأمر، وجملة (اترك وحدي) تأتي إجابة عن تلك الشكوك كلّها والنوايا في الاستمرار بالكفاح لمرة أخرى، وما قمنا بتحليله لبنية القصيدة يكشف عن أن البناء الداخلي لقصيدة الصائغ يقوم على مبنى حواري، تتداخل فيه الأصوات، وتدخل الشخصيات في صراع يمثل قلق الوجود والحياة والأهداف.

إدانة واتّهامات:

واحدة من إرهاصات هذا الجيل، إشكالية (الجبهة الوطنية)(**) التي انفتحت على جملة من الاتهامات والإدانة المستمرة بين أقطاب التجربة، فوجدنا الجيل الستيني ينشطر إلى جيل مؤدلج بامتياز، متمثلاً بسامي مهدي، وحميد سعيد، وخالد علي مصطفى، وجيل متمرِّد يسعى إلى البحث عن الخلاص الشعري والوجودي، متمثلاً في جماعة كركوك (فاضل العزاوي،  وسركون بولص، والأب يوسف سعيد، وجان دمو، وغيرهم ممن ينتمي إلى جيل جماعة كركوك)، ووجدنا ان يوسف الصائغ، وسعدي يوسف لم يكونا من الجيل الستيني، وإنما من جيل ضائع بين جيل الريادة والجيل الستيني.

إنّ سمة الاتّهام التي سيطرت على هذه الأجيال صارت علامة فارقة في تجربتهم، ودفعت بالكثير منهم إلى التغريد خارج السرب في ظل مناخ سياسي مضطرب. لذلك ظهرت إشكالية الدائن والمدين بين شتى الأطياف الثقافية وعلى المستويات كافة وموقفهم من الديكتاتور وسلطة الاستبداد، فثمة مثقّف خلت أوراقه من المديح والزيف، وآخر على النقيض من ذلك، وثمة من حملت أوراقه بضع وريقات، وبين هذا وذاك تتعدّد الأسباب وتتباين المواقف.

إنّ اقتراح “الدائن والمدين” ينبع من عمق الإشكالية التي تعاني منها ثقافتنا، وهي إشكالية لا تحتاج إلى عين ناقدة من أجل تشخيصها، فهي واضحة للعيان من دون اجتهاد في الرؤية، وإنما تحتاج إلى تقديم الحلول من أجل الخروج من المأزق:

– لقد كتبتَ
– أنا لم اكتب
– بلى لقد كتبَ ُفلان
– لا لم يكتب فلان
– لقد صفق فلان
– لا أعتقد ذلك
– اجزم، ولديّ الدليل على ذلك.

صورة ساخرة تتكرّر مع فعل التحوّل، وترى الانقسام الحاد في شكل الثقافة بإزاء هذا التغيير.
إذاً، ما الحلول الواجب اتّخاذها لأبعاد ثقافتنا عن هذه الإشكالية؟
والحلول المقترحة تتم في ضوء انتخاب لجنة يكون على عاتقها حلّ الخلاف والنـزاعات عن طريق:
1- تقديم ورقة اعتذار -من المدين- عمّا فعله للثقافة.
2- نقد الثقافة التي تؤمن بالاصطفاف وما يولد ذلك من سلبيات.

إنّ هذه الإشكالية تنبع من طول مدة الحكم الفردي التي خضعت لها البلاد، ممّا أدّى إلى ولادة هذه الإفرازات، بحيث صار من المستبعد أن ينجو منها أحد، وإن خلت أوراقه، بسبب سهولة الإدانة وصعوبة ردّها، وعلى الطرف الآخر نجد صعوبة ردّ التهمة عمّن صحّح ذاته فاعترض أو عارض النظام، فهو معرض للتهمة والإدانة؛ لأنه -وإن صحّح ذاته- مدين، وخير دليل على ذلك كتاب ثقافة العنف لسلام عبود(4)، وكتاب عبّاس خضر الخاكية(5)، إذ وجّها الاتّهام لعدد من الشعراء والكتاب من بينهم الشاعر عدنان الصائغ أو غيره مع المواقف التي استحدثت عندهم.

هذه الإشكالية أو المشكلة جعلت الخيوط معقّدة ومتداخلة إلى درجة صعوبة الفصل، وقد أفضى هذا التداخل إلى استمرار فعل الإدانة، ومهما حاولت الإجابة عن بعض المفردات –بشأن هذه الأزمة- يبقى رأينا شخصياً ومعرضاً للنقد والرّد، لذلك سأقترح بعض الأسئلة التي أودّ أن يجيب عنها المثقفون، وهي:

1-هل يتوجب على مثقفينا التوغل في هذه الممارسة؟
2- ما المسافة الفاصلة والنقطة الحاسمة التي نسعى عن طريقها إيقاف هذه الإفرازات؟
3- هل يحقُّ لنا أن نمارس هذه الدّور؟
4- هل يحقُّ لنا أن نقسّم الأدباء؟
5- إلى متى يستمرُ الرّهانُ بين الأدباء بشأن الدّائن والمدين؟

وقد يطول التوغل في القائمة الإشكالية الاستفهامية أكثر من ذلك، مما يفقدنا سؤالاً مهماً، ألا وهو:
– دور المثقف والثقافة من الكولونيالية، وتحوّل المخلّص من قوات محررة إلى محتلة؟

إذ لم تتعرض الثقافة العراقية- إلى هذه اللحظة- للكولونيالية على نحو منهجي، والسبب -كما يظهر – توغّل قطار الثقافة العراقية في مفاصلها كافة في ورقة الإدانة، وهذا التوغل -بحسبما أراه- أبعد المثقف العراقي عن إحياء الثقافة العراقية من جديد ورفدها بما يؤهلها للوقوف في وجه الأسئلة الوطنية الكبرى.

وبين هذه الاشكاليات وتلك المواقف من الكولونيالية؛ تظهر لدينا مشكلة جديدة، ترتبط بهوية الداخل/ الخارج، وهي وليد الدائن والمدين لاقترانها بورقة الإدانة نفسها.

إنّ هذا المرض الذي بدأت الثقافة العراقية تعاني منه، أفضى إلى إقصاء طرف من دون طرف آخر، بسبب سعة التوغل فيه وفي مفاصله، والدخول والترويج مرّة جديدة لهذه المصطلحات مما وضع الثقافة العراقية في دوامة جديدة تضاف إلى دوّامة الدائن والمدين، أو يضع المثقف العراقي في أطر جديدة وتقسيمات لا طائل منها:

1- مدين داخل.
2- مدين خارج.
3- دائن داخل.
4- دائن خارج.
5- دائن مدين/ خارج.
6- دائن مدين/ داخل.
7- دائن مدين/ داخل خارج.

وقد ظهرت معالم هذا المرض في بعض المواقع الإلكترونية، ولا سيّما في موقع كتابات(6)، بتبادل الشتائم بين المثقفين العراقيين بشأن موقفهم من الاستبداد.

وفي ظل نمو تلك الإشكاليات، انشغل بعض المثقفين بإشكالية جديدة (تسييس الثقافة أو ثقافة التسييس) اذ توغلت في عمق الثقافة العراقية من دون رقيب يحاسب المؤسسة على أحادية خطابها وإقصائها للآخر، إذ إن الاهتمام بتسييس الخطاب الثقافي العراقي ظهر بنحوٍ واضح داخل المؤسسة الثقافية، أكثر من الاهتمام بالهوية الثقافية العراقية بعد 9/4/2003، هذا الإقصاء أبعد المثقف العراقي عن أسلوب الحوار من أجل الوصول إلى المصالحة الثقافية بين المثقف والمؤسسة، هذه الإشكالية التي عانى منها المثقفون أبعدتنا عن الالتحام بالمؤسسة الثقافية بوصفها قطباً حقيقياً، ومدافعاً عن مشروع المثقف العراقي.

الإشكالية الأخيرة التي لا تنفكّ عن الخروج من معطف الدائن والمدين، هي ثقافة التنصّل عن المواقف السابقة، والأمثلة في هذا المضمار كثيرة لا تحتاج إلى تفصيل؛ إذ إنّ هذه الثقافة هي -بالنتيجة- وليدة ثقافة الدائن والمدين، وهي ثقافة لا بدّ من التصدي لها –أيضاً- بالوسائل كافة.

وهذا الإجراء يتطلّب الاتفاق على سياقات ثقافية لا يمكن خرقها، يجرى فيها إيجاد السبل للوصول إلى منصّة الاعتراف بالخطأ، وتقديم العفو والاعتذار للثقافة العراقية لما ألحقوا بها من زيف وخداع.

ويظهر لي في النهاية أن التوغل في علاج هذه الاشكاليات سيكون في ضوء اتّفاق المثقف على إيجاد السبل من أجل خلق ثقافة عراقية تهتم بالاختلاف الإبداعي لا الجدل الآيديولوجي العقيم.

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد