كيف يمكن أن تكون معلّماً ورسولاً؟

 

“السّرّ في التّعليم النّاجح هو احترام التّلميذ.” (رالف والدو إمرسون)

كي تنجح العلاقات الإنسانيّة، أيّاً كان طابعها، لا بدّ من أن تتّسم بالاحترام المتبادل بين الأشخاص. فالاحترام يعبّر عن عناية وتقدير للآخر بغضّ النّظر عن سنّه، أو منصبه، أو مكانته. إنّه الاحترام للشّخص، للكينونة الإنسانيّة، القيمة المقدّسة. ومن أهمّ ما يختصّ به الاحترام، هو معرفة كيفيّة الحركة والتّفاعل مع الآخر ضمن حدود معيّنة يحافظ عليها الإنسان حتّى لا يؤذي الآخر معنويّاً أو ماديّاً. وإذا كانت العلاقات على اختلاف أنواعها تفترض الاحترام المتبادل، فكيف إذا تحدّثنا عن العلاقة بين المعلّم والطّالب. ولعلّها العلاقة الّتي تتطلّب بشكل خاصّ احتراماً من المعلّم أوّلاً تجاه طالبه، ومن الطّالب تجاه معلّمه.

المعلّم هو الشّخص الأكثر تأثيراً في الطّالب بعد الأهل. فهو يمضي ساعات طويلة برفقته. يتعرّف عليه عن قرب، يفهم طباعه ويكتشف قدراته الفكريّة والجسديّة والنّفسيّة. إنّها علاقة أشبه بالأمومة الّتي لا تقسّم محبّتها على الأبناء، وإنّما تمنح المحبّة بالكلّيّة لكلّ ابن على حدة. والعلاقة بين المعلّم والطّالب علاقة أموميّة تحتّم على المعلّم احتضان الطّالب، واستيعابه، وتفهّمه، والبحث عن نقاط قوّته لتعزيزها، وعن نقاط ضعفه لمعالجتها بالدّرجة الأولى. ثمّ يأتي تعليم المنهج وتحقيق الأهداف التّعليميّة بالدّرجة الثّانية. لأنّ علاقة غير سليمة بين معلّم وطالبه لا ينتج عنها إلّا الفشل. نقول إنّ هذا الطّالب يحبّ هذه المادّة أو تلك. بينما الصّحيح أن نقول إنّ الطّالب يحبّ هذا المعلّم أو ذاك. فالمادّة التّعليميّة عنصر بيد المعلّم يفكّك مكنونها ويبسّط مضمونها ليزرعه في الطّالب. فالمادّة بحدّ ذاتها، على الأغلب، ليست عامل جذب للطّالب. يحبّ معلّمه فيحبّ المادّة ويستعدّ دوماً وبكلّ قوّته للنّجاح فيها، لأنّ عقله امتصّها بسهولة، وألفتها نفسه بمرونة.

لست أتحدّث عن علاقة فرديّة خاصّة بين الطالب والمعلّم. وإنّما الحديث عن علاقة تمرّست بالمحبّة، كي يتمكّن المعلّم من اكتشاف الطّالب، وتبيّن قدراته ليتمكّن من حثّه على البحث عن المعرفة واقتنائها. ليست مهنة المعلّم أو هدفه تلقين المعرفة، بل الهدف الحقيقيّ يكمن في تعليم كيفيّة اقتنائها والسّلوك فيها. ما نفتقده غالباّ في مجتمعاتنا، لأنّ المعلّم يبحث عن تلقين الطّالب فيتمّم واجبه، أكثر من سعيه إلى تكوين شخصيّة الطّالب الّتي تعتمد بشكل أساسيّ على العقل المستنير والرّوح المنطلقة، ما هو غاية التّعليم.

ولمّا نشأت بين الطّالب والمعلّم علاقة محبّة، تفتّح فكر الطّالب مهما واجه من صعوبات. ونحن نعلم أنّنا لسنا أمام كمّ من المتفوّقين، لكنّنا أمام كمّ من المبدعين. ولكلّ إبداعه الخاص يتفوّق به ويتميّز. وهنا دور المعلّم في اكتشاف هذا التّميّز وإظهاره وتحفيزه لدى الطّالب. الفرق شاسع بين التّفوّق الدّراسيّ والإبداع، فالأوّل أمر إيجابيّ لا شكّ، لكنّه محصور بالدّرجات وبالإطار المعلوماتيّ. بمعنى آخر، بقدر ما يتحصّل الطّالب على درجات عالية، وبقدر ما يمتصّ الموادّ المطروحة أمامه يتفوّق. والمتفوّق أسير التّفوّق، فما إن يتراجع، ولو بشكل بسيط، يواجه أزمة حقيقيّة، إذ إنّ شخصيّته مرتبطة بالتّفوّق الدّراسيّ بمعزل عمّا يمرّ به بوصفه طالباً من أزمات ومراحل واختبارات إنسانيّة. أمّا الإبداع فهو ميزة كلّ طالب بل كلّ إنسان، سواء أكان متفوّقاً أم غير متفوّق. كلّ يبدع بطريقة ما وبمكان ما. وإذا عرف المعلّم التقاط خيوط هذا الإبداع، تمكّن من استفزاز ملكات الطّالب ودفعه للمزيد من التّكوين المعرفيّ. مبدعون كثر لم يتفوّقوا في دراستهم بل فشلوا ربّما، لكنّ كلّ واحد منهم أسّس مدرسة بحدّ ذاته.

المسيرة التّعليميّة حياة بحدّ ذاتها، وإذا اقتصرت على تجميع المعلومات فقط لن تؤدّي هدفها الحقيقيّ المرتبط بتكوين الشّخصيّة الإنسانيّة وتثقيفها. من هنا على المعلّم أن يكون مثقّفاً ويزرع الثّقافة في طلّابه. فيحمل الطّالب معلّمه معه طيلة حياته. معلّم لا يزرع نفسه في طلّابه، ولا يمنح من ذاته لكلّ طالب جيلاً بعد جيل لا يستحقّ لقب “معلّم”. إنّنا نفتقد اليوم لمعلّمين رسلٍ مثقّفين يؤثّرون في الطّالب ويكونون مرجعاً له.

المعلّم صاحب موهبة قبل أن يكون حائزاً على شهادة تخوّله من ممارسة هذه المهنة. ولا يشبه التّعليم أيّ مهنة أخرى، لأنّ الموهبة تمكّنه من التّعاطي مع الطّالب بأسلوب خاصّ يشبه أسلوب الأمّ الّتي تتعامل مع كلّ فرد من عائلتها بحسب أسلوبه، وذلك بالفطرة والموهبة. والمعلّم حامل محبّة شاملة، مجبول بالصّبر وطول الأناة والقدرة على التّأقلم مع مستوى الطّالب للارتقاء به.

المعلّم باحث عن الجمال في كلّ طالب حتّى يستخرجه وينمّيه مساعداً إيّاه في تأسيس المدينة العظمى الّتي تحدّث عنها ميخائيل نعيمة: “المدينة العظمى هي الّتي يسود فيها العلم والحرّيّة والإخاء والوفاء.”

1 تعليقك

  1. Avatar خالد مهدي الشمري

    انحني احتراما لقلمكم اولا والى مهنتكم ثانيا .المعلم منذ الخليقة كان هناك معلم وطالب متلقي واحد شروط الفهم والاستيعاب هو ان يكون المعلم ذو شخصية قادر على ايصال المعلومة بطرق مختلفة ومنها تلك التي يجعل المتلقي يحب معلمة ومادته التي ايرد ايصالها فستخدام الحب هو الناجح دائما ونحن نرى هناك معلمين يستخدمون العقاب ومع ذلك نجد الطفل يحب هذل المعلم لانه استخدم الحب والحنان الذي اوصله بالعقوبه دمتم قلما معطاء

اترك رد