الحاكم الأول في اليمن

 

تشير الموسوعة اليمنية أن “القات شجرة تنتمي إلى العائلــة ( السلاسترية CELASTCEAE ) والتي تحتــوي على 40 جنساً والجنس الذي ينتمي إليــه القات يحتــوي على 75 نوعاً ، ويسمى القات علمياً FORSKALCATHA EDULIS “.

وأومأ أحد الدارسين للقات أنالتخزين بالقات” يعني مضغ الغضة المتفرعة منها وإيداعها في أحد الشدقين لفترة وامتصاص عصارتها ببطئ في جلسة مخصصة لذلك ، فيشعر متعاطيه بانبساط وانشراح صدر ، وذهاب لأثار التعب والإرهاق ، وبتفتح الذهن ، وتركيز في التفكير ، وزيادة رغبة العمل ، وإذا أفتقده معتاده شعر بكآبة وضجر وخمول وكسل لا يزول عنه إلاّ بتناوله مرة أخرى “.

فالقات-كما يشير أحد المختصين- “عشب دائم الخضرة ، يبلغ طول شجرته 1-2 م ، وقد يصل طول الشجرة إلى ستة أمتار أو أكثر00 وأغصان القات خضراء اللون ، إسطوانية ومفلطحة قليلاً عند الأطراف ، أما الأوراق فهي خضراء مشربة بحمرة بسيطة التركيب ، متقابلة في الترتيب في الجزء الأعلى ومتبادلة في أسفل الغصن ، ولها أذنان صغيران وعنق قصير ، والنصل بيضاوي الشكل له قمة مستقيمة ، وحافة مُسننة وقاعدة متماثلة وتعرق شبكي”.

ولقد وصفه الرحالة الألماني هانز هو لفريتز أنه “نمط من أنماط المخدرات ، ولكن أهل اليمن يسمونه إكسير الحياة0 واستهلاك القات عادة شائعة شاملة إذا يتعاطاه الرجال والنساء والأطفال دون تمييز من الملك إلى السلاطين وإلى الفقراء والشحاذين ، طالما يتوفر لديهم المال لابتياع هذه المادة الثمينة0 وكثيراً ما قيل أن في وسع أهل اليمن الصيام أياماً عدة بسهولة ، ولكنهم لا يستطيعون البقاء يوماً واحداً بدون القات0 ونبات القات الذي يستخرج من هذا المخدر ، شجيرة صغيرة لا تزهر ، ولها أوراق فاتحة الخضرة خضلة0 وتزرع هذه الشجيرات في المناطق الجبلية في أعالي اليمن ، وزراعته في الاتساع ، بحيث لا تقل مساحته عن مزارع البن “.

وفي زيارته لليمن في العشرينات القرن الماضي الأديب والرحالة اللبناني أمين الريحاني ، تعجب من القات وشغف الناس بتعاطيه ، ولقد جرّب مضغ القات لمعرفة أسراره وتأثيره ، وخلص إلى أن “القات له خاصة الحشيش الأولى أي الكيف ، وجميع الناس في اليمن من رجال ونساء وأولاد من أغنياء وفقراء يأكلون القات – يخزنزن -0 والتخزين هو أن تمضغ الأوراق مضغاً بطيئاً طويلاً كما يمضغ الأمريكيين التبغ ، ويحفظونها تخزينة (( أي كتلة )) في الفم يجترونها0 ولكنهم لا يبصقون مثل الأمريكيين إلا عندمـا تذوب التخزينة فيبصقون إذ ذاك في إناء من النحاس ما تبقى منها ويخزنزن غيرها0 إن مجلس القات لا

يتم بغير أباريق الماء وكؤوس النحاس الجميلة الشكل الشبيه بالكؤوس الذهبية التي تستعمل في الكنائس وقت القداس0 أما الأغرب من ذلك أن أهل اليمن لا يشربون قهوة البن بل يكثرون من قهوة قشر البن يغلونه كالشاي فتظنه البابونج لطعمه بدون سكر وهو على ما أظن مفيد لأنه يقاوم بعض المقاومة مفعول القات ويخفف من أضراره0 لا ريب أن القات مضر بالصحة والنسل فهو يفقد المرء شهوة الأكل ويفسد أسباب الهضم ، ويحدث مثل الأفيون شللاً في مجاري البول ، ولا يقوي الباه بل يضعفه”.

لقد ذهبت بعض الأطروحات إلى اعتباره صنفاً من أصناف المخدرات ، وفي ذلك شيء من المغالاة والتعسف في آن واحد ، ولقد أثبتت الأبحاث العلمية للتركيب الكيميائي للقات أن القات لا يعد صنفاً من أصناف المخدرات.

وعلى سياق متصل ثمة تساؤلات تلح في الفضاء العمومي: هل للقات سلطان على الحرب المستعرة في اليمن ؟ وهل القات يتحكم بصورة جزئية في سيكولوجية الحرب؟ وهل مدمني القات من السياسيين والعسكريين والمدنيين يعون كوارث الحرب التي تسحق كيان المجتمع وتهمهم المصلحة الوطنية ؟

لقد غيبت الحرب عقول الحكماء واخرست أصوات الفهماء وأهل الحق، فلاهم للبعض سوى الإثراء غير المشروع وتجفيف الحرارة الوطنية و البقاء تحت أسر الشهوات والتمتع بجلسات قاتية ممتعة ومواصلة الحرب في ظل علاقة حميمية للمتحاربين مع القات،فالشاعر اليمني الشهير/محمد محمود الزبيري وصف القات بأنه (الحاكم الأول في اليمن).

التخلف الذهني لبعض الزمر المتنفذة جعلها هائمة بتناول القات وغير مكترثة لما يدور حولها من حرب وخراب تنفذ التوجيهات القادمة من خارج التراب الوطني دون أدنى بصيرة وهمها ينصب في تطوير تقنية انتهاب الأموال وفي التمتع بمذاق القات.

لقد أضحى القات جزاء من الهوية الاجتماعية ويدخل ضمن بنية الثقافة والعادات والتقاليد وله حضور متميز في السياسة والمناشط الثقافية والاجتماعية والسلوك الاجتماعي وتغلغل في مفردات الحياة اليومية

ففي جلسات القات تحل المشاكل وتقر النخب السياسية والعسكرية والمدنية عملية الحرب والسلام والخطط التنموية واستشراف المستقبل فهو “إكسير الحياة ، بديل للعمل والإنتاج للمسرح والثقافة والفنون ،بديل للمعرفة والسفر والبحث والاكتشاف والتطور بأشكاله المختلفة وإنه باختصار الوجه الآخر للتعفن والموت” “عبدالكريم الرازحي”.

الحرب ستستمر في ظل التخلف الشامل وعدم إدراك المصلحة الوطنية وتفشي الجشع وجهنمية البطون والتهالك على المال والمناصب والثروة و غيبوبة الوعي وسيادة النشوة السحرية للقات وعذوبة الطقوس القاتية الفاخرة المزيلة للتوتر والقلق والضجر والتشنج للوصول الى المتعة النبيلة.

“لا أعرف الحكمة من وجود البنج في المستشفيات العربية فنحن في الأساس شعب مخدر””محمد الماغوط”.

لا تعليقات

اترك رد