حب ” افتراضي ” عنوانه ” فراق “

 

من أول ضغطة زر على ما يسمى “قبول الصداقة” وهناك شيء غريب يجذبه إليها، كل حرف تكتبه ولو على وصف قطتها الغير موجودة يكون أول من يعجب بل ويعلق رغم كرهه للقطط، صار يطارد كل “تعليق” أو “شير” تضعه على صفحتها، المهم أنه على صفحتها..
حكى لي أنه كان يشتم رائحة عبيرها في كل كلمة تكتبها رغم بعد المسافات، وهل للكلمات روائح، نعم عندما تخرج ممن نحب.. ومؤكد هذا ليس نفاقا بل حبا..عندما تحب ستجد أغلب تصرفاتك “غريبة” ومجنونة”..
بعد فترة ليست بالقصيرة..انتبهت له أخيرا.. صارت تبادله نفس “اللايكات” حتى على تعليقات أظنها لا تستحق، انتبه هو أيضا وتحول إلى كاتب خاص لها.. كتب الكثير مما يستهويها ويرضيها.. تقدما خطوة فصارت “تعلق” له.. واعتبره هو حوارا عاما ..لكنه أسعده..
تجرأ لأول مرة وراسلها على الخاص.. وندم بعدها.. ردها جاء مقتضبا جدا..(الردود المقتضبة تفسر دائما أنها رغبة في عدم التواصل)… لكنه برر ذلك بانشغالها..أول مرة..اعطيها فرصة ..أكثر الناس تبررر لبعضها المحبين..
كرر التواصل عدة مرات.. ونفس الردود المقتضبة التي كانت تريه وتشفي جزءا من اشتياق لايعرف سره.. وفي إحدى المحادثات القلليلة الكلمات.. جاءه ردها صاعقا كونها لاتهتم بمثل هذه الموضوعات ..كان قد أرسل لها شيئا تدريبيا طالبها بالمشاركة فيه.. وكان يمكنها الاعتذار بلطف..لكن الكلمات كانت أحجار صامته وجامدة.. قرر بعدها مقاطعتها..
لم تدم المقاطعة طويلا.. وعاد ليراسلها ولكن بشكل رسمي أكثر.. بادلته الرسائل.. ثم بدأت تبادره هي ببعض النقاشات… حتى كتبت له يوما “تعودت على حديثك”.. فاعتبرها “بسذاجته” حبا مبطنا.. الحب أكبر من مجرد كلمات تسيطر عليها غاليا المجاملة.. المهم دام التواصل..

في كل كلمة وحتى لو كانت غير مقصود كان يفسرها إعجابا وحبا منها.. وهكذا العشاق يعتبرون حروف كل طرف هي ملكية خاصة له.. لايسمح له بالكتابة لغيره.. وربما هي لم تكن تقصد كل هذا.. لكنه أراد أن يرضي نفسه..
في كثير من المحادثات ظهرت عندها أسوأ ما يمكن ان تجده في العلاقات وهو صفة “المنّ”، وهي صفة قاتلة لكل مشاعر جياشة ومحبطة لكل خفقة قلب.. كونها تتواصل معه فهذه ميزة له..كونه تعطيه من وقتها فهو إضافة له.. وربما نفعل هذا أحيانا دون قصد..لكن القلب ذكيا ولا تفوته مثل هذه التصرفات..
في لحظة ظنته لا يمكن الابتعاد عنها لما فيها من مميزات..حكى لي أن عندها أريحية وروح حلوة لم يقابلها أبدا.. وأنه مستعد لتقبل تصرفاتها حفاظا على حبه لها.. لكنها تمادت في “استغلال” مشاعره.. كان هو دائما معطاءا.. وهي أقل.. عطوفا وهي أقل.. مشتاقا وهي أقل.. لكنه قبل ذلك..
من مشكلات المشاعر أنها توصلك لمرحلة “تملك” الطرف الآخر…أو هكذا توهمك.. لكن الحقيقة أن القلب الذي يحب في لحظة يمكنه نسيان ذلك حتى لو في شهور او سنوات لكن في الأخير قادر على نسيانه..
كثرت الرسائل.. أغلبها بالاختلافات والخناقات أحيانا.. وأقلها عواطف جياشة وامنيات سعيدة لبعضهما.. زاد شكها فيه.. ظلت دائما توحي له بان علاقتها به مهددة… أن الأفضل لها قلة التواصل.. وهكذا من قاموس المصطلحات “القاتلة”..
وفي مفاجأة لنا جميعا.. قرر صاحبنا الابتعاد.. ليس كرها أو فقدا للحب.. لكنه أراد أن لاتتملكه عاطفة أصبحت صاحبتها لاتثق فيه أو تمن عليه بمجرد تواصلها.. بعد وقلبه يتقطع على حب حاول رعايته والحفاظ عليه..غاب وفي حلقه غصة قال لي أنها كبيرة جدا ولايمكن أن يشفى منها قريبا..لكنه بعد وافترقا..
أزمة صاحبنا أنه رسم المشاعر على حروف “الكيبورد” .. ففي هذا العالم الافتراضي لايمكن أن نترك العنان للعواطف وفقط.. لكن يجب من أدوات أخرى نتأكد من ماهية الطرف الآخر.وحقيقته.. وتفاصيل أخرى تجعلنا نبدأ في أولى خطوات الحب الحقيقي..
لست ضد الحب عبر العالم الافتراضي.. لكن هناك شروط قاسية يجب ان تكون قبل العواطف..وأهمها أن الكلمات “المكتوبة” ليست دائما صادقة أو معبرة.. يجب أن ترى وتسمع الطرف الآخر- في حدود ما يناسب ديننا وعاداتنا طبعا- تخطط لهذه المشاعر كما تخطط لمشروعاتك..
وأخيرا.. المشاعر أحاسيس جميلة لايجب السماح بكلمات تقتلها في مهدها..ولا السماح لتصرفات هوجاء أن تكسر قلب أو تتسبب في جرح يطول.. حب كما تشاء لكن بإخلاص وتجرد.. وليكن شعارك “ليس حبا افتراضيا فقط.. فيمكنني تحويله إلى واقع جميل فيها ورود التوليب حقيقة وليست صورا..وفنجان القهوة ملموس وليس معنويا..
لكن الحب الافتراضي وراء عواطف غير محسوبة أو مجرد انخداع في كلمات.. صدقني يا صاحبي سيكون عنوانه ونتيجته واحدة وهي “فراق وبعد”.. احسبها صح.. تأكد من حبك.. ثم تجرد ثم اعشق.. ولاتفارق

المقال السابقرقصة الكانكان
المقال التالىحرب الصحراء بوابة لتأمين الحدود مع سوريا
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar منى رأفت

    مقال فى غاية الروعه ؛ يصف بالظبط حالة الكثيرين من من يعانون من الحرمان العاطفى ( و لا احد يسلم تماما من هذا الداء ) ففى عالمنا الملئ بالمصائب و الواقع الصعب يحتال القلب و العقل جاهدين فى البحث عن عالم موازى مريح للاعصاب و مبهج للنفس فلا يجدا أسهل من الوقوع فى حالة وهم الحب حتى و لو بمعرفتهم انه وهم فيكفيهم تلك اللحظت العابره التى يأخذون فيها انفاسهم من محادثه هنا و تعليق هناك تشعرهم بان هناك احتماليه لوجود طرف على الشاطئ الأخر يهتم بمحادثتنا او ينتظر الرد .. نشعر بالاهتمام و الوجود و الاهميه .. ربما لم يجد الكتير تلك الاجتياجات الاساسيه فى عالمه الحقيقى .. لذلك اعذر مرتكبى هذه الجرائم بحق انفهم عذرا شديدا 🙂 🙂

اترك رد