بتول الفكيكي دفقا من المشاعر والأحاسيس الروحية في مضامين وأشكال مشتركة

 

بمناسبة معرض الفنانة التشكيلية العراقية – بتول الفكيكي – في الأردن في صالة “بلدنا” ألذي يتضمن قرابة أربعين عملاً في الرسم (زيتية ومائية) ستكون لنا وقفة إستقرائية عن أعمالها ألتي تمتاز بأسلوب خاص في التقنية والأداء، إنها تستند إلى أصول وأسس الأداء الأكاديمي مضافا لها دفقا من المشاعر والأحاسيس العاطفية والروحية ألتي تنطق بإيقاع متناغم وبطريقة تكنيكية معاصرة، من ناحية فرش الألوان الجميلة، وبالرغم من سيادة الألوان المثيرة للأحساس والتلقي، لكنها ألوان لاأنفصال بينهما تضاد حادة وإنما هيرمونية التدرج وفي الألوان الحارة تتداخل معها الألوان الحيادية والباردة بتوافق وأنسجام, تكاثفت في مضامينها رموز وزخارف شرقية تراثية, تلك الوحدات التكوينية تخلق جمالًا يتصل بمصادر أسطورية ومشخصة, قديمة ومعاصرة.

وبالرغم من معايشتها مع جيل الستينيات إلا أن لها خصوصية الإنفرادية في الإختيار والأسلوب, ولم تتداخل مع أساليب من جايلوها، حيث تتطابق منجزاتها مع مكنوناتها الداخلية في الرؤى والفكر والوجدان مع مايحيطها من البيئة والمجتمع العراقي. فضلا عن إنعكاس حالتها النفسية ومتغيرات المناخ والبيئة الإجتماعية عند إستقرارها في لندن،

وتبقى ملازمة مع الصلات المرتبطة في مايجري من أحداث صاخبة في موطن نشأتها، لقد كانت تلك الأحداث لها الأثر البليغ في منجزاتها ألفنية التي تجسدت في معرضها الأخير. والإنعكاس لم يقتصرعلى محتويات المضامين وإنما بطريقة الأداء ألفني بشكل تلقائي كأنعكاس لعوامل الإثارة والتعاطف والحنين والألم. إنه شعور إنساني متبادل يجسده ذوي الأحاسيس الرقيقة والواعية ونقاوة الإخلاص الوطني.

إنها أهداف ورسائل توجه إلى مناخات الوطن بكل مايحتويه وتخلل من مستجدات وأوجاع، لاتؤلم من بقي في البلد فقط, وإنما من هاجرة بعوامل قسرية. وأنا أؤيد ما قالته بأن : في العراق يكون المثقف ضحية سهلة.وخاصة بعد المتغيرات المتتالية. في أعمال الفنانة – بتول الفكيكي – تجسيد الخيال والتعبير والعواطف على أجساد تشير إلى رموز أسطورية وجوانب الحيوية والتفاعل لأجساد تأخذ أبعادها المتضادة في متغيرات الحياة الإيجابي وتصدعات الضرر،

ألفنانة – الفكيكي – إختارت هذا النوع من العلامات المجسدة لجسم الإنسان من بين إختيارات أخرى سلكها فنانون تشكيليون : من تلك الإختيارات رؤوس وأعناق تتركز عليها أفصاحات التعبير وملامح الفكر ألذي ينطق من خلال الوسائل البصرية والسمعية والفكرية المكونة في الدماغ. والبعض الآخر يختار الجوانب الفنتازية والخيال والإحساس ألذي يسرح في الخيال التعبيري وتبدو واضحة تلك الإختيارات ليس على وفق نمط محدد من المدارس ألفنية كالسوريالية والتجريدية والتعبيرية وإنما بوسائل مختلفة توصل الأهداف والمغزى. .,

ألفنانة – بتول الفكيكي – تمنح الجزء الآخر من الكائن البشري وخاصة الأنثوي ما ينتج من الجزء الرئيس للرأس على الأجساد تحكي مظاهر التفاعل والأنفعال وملامح التدفق الأنثوي الرقيق، حين تمنحها دفقا من إشارات سحرية ورموز تعبيرية نتجت عبر مسار من التجارب والفكر عبر مسيرتها الفنية. تشير بتجسيداتها ألفنية، عبر مسار من سلسلة متنوعة من الأعمال، إنها ملحمة الأنوثة العراقية التي تجسدها الفنانة واضعة ذاتها القلقة أحياناً والمتفائلة والمستقرة أحياناً أخرى، تتضمن حكايات ومخاض يدون من خلال المسار التاريخي والقصص الفلكلورية الشعبية أو الإجتماعية، ومنها المعاصرة، والقصيدة الغزلية،

 

تضع بتول الفكيكي قصصها الصغيرة المبعثرة، أمام المشاهد لتوحي له نحو الإطلاع على أسرار يشاهدها لأول مرة، تقوده عبر قلادة من المنمنات التي ترصع أجساد اللوحة والفضاء المحيط بها، في آن واحد. تستخدم – بتول الفكيكي – في أعمالها جملة من ملصقات وكولاج وأقمشة ومعادن وحجارة وحصـى. تـتدرج علـيها الألوان الزيـتـية والأيكـريلك والأحبار ومواد متنوعة أخرى بتقنيات خاضعة للتجريب.


تغور في مواضيع تراثية على هيئة نقـوش وزخـارف، عمـارة، نـسج بسـط وسـجاجيد، شبابيك، مخـمل ومخـرّمـات ودانتـيلا وحتى حـلي، تتـداخــل بوشـائج لونية تجريدية وأحياناً بدلالات أسطورية، تغور ضمن مشتركات روحية وإنسانية، أو ضمن أفق من الأحلام والمودة. وبالرغم من ثراء في التفاصيل وقيمة في الحس اللوني، إلا أن المضامين تبقى أساسية ومشتركة في الإعادة والإصدار تجمعهما ثنائية وجود المرأة والرجل، ومايتبعهما من مكملات خيالية وحسية،

تكتمل تلك المرسلات الباثة للعمل بتأملات المشاهد .تدون الفنانة – الفكيكي – أداء ضمن نطاق عمق مساحات أعمالها، على وفق أندماج متنوعة من الأجساد لأشخاص مع مع عمق الأبعاد والدلالات الأخرى حوله بتكوينات زخرفية متراصة تتسرب بين الأعمدة الرخامية والأبواب التراثية البغدادية، التي تتناولها كي تنمو زاحفة على النساء والرجال المتعانقين، أو الشاخصين بعضهم خلف بعض، محققة بذلك نسيجاً بصرياً يفصل بين عناصره الخط المائع العاطفي الذي يدلل على بروز هذا الجسد، وذاك الجدار. ثم تسمو ملامح، شفافية اللون الضوئي الساطع بمكاناته المناسبة ألتي تحرك ما يحيطها ويلازمها من ألوان هادئة وحركة الأيقاعات للوحدات المتجاورة والمتماثلة وفي خلاصة الرؤى الشكلية للتكوينات تسودها الوحدة والإنسجام والتوافق ألذي يشكل واحدة من أدوات عناصر ألفن التشكيلي.

تتم تلك الأمور من خلال إستخدام الالوان الرقيقة، ملحمة الرجل والمرأة عبر تاريخ لقائهما الأسطوري. تسرح تلك المقتربات نحو التماسك والتوافق المنسجم متجاوزة الفواصل والحواجز المكانية والزمانية، حيث تبدو لنا مصادر تراثية لأشخاص أسطوريين، كلكامش، عشتار، داخل معابد، أو قصور خيالية، تأخذ تلك الأدوات المصدرية مساحات غير محاطة ومحددة زمنيا، إنها تداخل مع المفاهيم الثابتة للإنسان في كل الأحوال والأزمنة، حيث تزرع داخل لوحتها، مرموزات أساسية واضحة تقود نحو مرجعيات بصرية متعددة من خلال وجود مشهد منفعل هادف في المعنى والإحساس والعواطف، منها يتضمنه تراث حضاري لوادي الرافدين بأنواعه المختلفة، والفلكلورية المعاصرة تصاميم معمارية وزخارف بغدادية وكتابات تراثية، حيث تتداخل فيها تنوعات إلامتزاج والنتاج الزمني المتعدد والمختلف إنه عودة إلى أزمان أخرى، ولكن تربطهما المشتركات الإنسانية الثابتة، فهي تحاكي مشتركات الزمن والتقارب الجسدي، والصلة الروحية والمشاعر بين قطبي، الرجل والمرأة. تضيف إلى تلك التراثيات عبق من نسيم الأساطير الخيالية منها الأمرأة شهرزاد، إنه تدوين لما هو ممتع وشيق في الرؤى والأحلام والتأمل، عبر خيط حريري:


يسري متحركا بين أرداف الشخوص وحكاياتهم الحياتية المتنوعة، تتجسد بذكريات مخلدة تعكس حياتها الذاتية. أعمال تحتوي مكتضة بالأجساد والعناق والزخارف تخفي في أعماقها أبعادا من الإفصاح والأسرار من خلال سيميتريات إشارية مليئة بغزارة التنوع اللوني وتشكيلاتها الإنشائية، تنطق بأنغام عذبة وبأيقاعات متوازنة أغلبها رأسية المسار تماثلها وتكمل بنيتها الشكلانية أنحدارات أفقية تتخللها ألوان على شكل نقاط متناثر في أرجاء لوحتها، تمنح العمل تباينات في العمق والبروز أو أشبه بالناتيء والبارز, تفرش تلك التبعثرات في مراحل التفتيش للعمل الفني تطل رؤانا على أشكال لمدن صامتة لايخترق تأملها المنير, غير تزاحم قبابها الساكنة، مع زخارفها وأبوابها المغلفة الحزينة تدب أغصان الأشجار بين ثناياها بحميمية، تجعل المتأمل ينقاد نحو مشهد فيه أنغام هيرمونية متناغمة في الرؤى البصرية. تتخللها وقوف إمرأة ضمن محيط ضانك. تتداخل جدران وأزقة معمارية لشناشيل تراثية، وقباب وأبواب مزخرفة، تلك السلوكيات التجسيدية حنين الأشواق لذاكرة النشيء لاسيما بعد أستقرارها في بريطانيا إنها مدن, تمثل حنينها وعشقها البغدادي المرفرف برؤيا لافتة إلى الماضي،

وتشير ألفنانة – بتول الفكيكي – بإن (أللاوعي يدفعني الى أختيار الجسد كونه بيتأ للسعاده و الألم..المكان يهيمن على جزء كبير من ذاتي لا يمكنني التخليعن جغرافية المكان والبشر و الميثوليجيا. .الرموز..كلها هي خزين الذاكره عن المكان، أغلب أعمالي تعتمد على الشكل وتأثيره على أعمالي كبير. أن الشكل هو الجسد والمضمون هو الروح.. وتستطرد قائلة: ماقيمة الجسد بلا روح و أين الروح حين يختفي الجسد؟ ألجأ الى الرسم لنفض الآلام .. و هكذا مع لحظات الفرح، حين تدفعني لأدون اللحظه وحفظ قوة تأثيرها. لجأت إلى عشتار و أستنطقت حالاتها تجليها عذاباتها عسفها أوجاعها فرحها حزنها همومها). ومن المعروف إن الفنانة – بتول الفكيكي – هي جيل من الستينات في الفن التشكيلي العراقي, وكانت من بين أوائل الفنانات المعروفات في العراق, تخرجت من كلية الفنون ببغداد عام 1963, وتلقّت تعليماً على فنون السيراميك وحياكة السِجّاد عن الفنان الراحل عطا صبري,

درّست الرسم لطلبة المراحل الدراسية المختلفة ولمدة جاوزت العشرين عاماً, وعملت كخبيرة في دار الأزياء العراقية وهي عضوة في عدد من النقابات والجمعيات الفنية العراقية, ولها مشاركات في عشرات المعارض داخل العراق وخارجه (إيطاليا, البرازيل, بريطانيا, الأردن, فرنسا, إسبانيا, سورية, الكويت, النمسا, وألمانيا) ولها جداريات في مطار بغداد ودار الأزياء العراقية والعديد من المدارس والمؤسسات في العراق, ومعارضها الشخصية كانت عديدة وفي بغداد, عمّان ولندن, عن عوالم تجربتها في معرضها الأخير (31 آب إلى 17 أيلول 1996 ).

 

المقال السابقالوطن بين الهامش والحافة
المقال التالىألهاكم التحصص
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد