زها حديد: نجم آخر يذوي من سماء العراق الجريح

 
الصدى-زها-حديد

و نحن نتابع بحسرة ما يجري من مهازل على المسرح السياسي العراقي الذي بات مثار تندر و إستهزاء على المستوى الدولي، فوجئنا بنبأ وفاة المهندسة المعمارية الأشهر عالميا، العراقية الموصلية، السيدة زها حديد، نتيجة نوبة قلبية مفاجأة كما يبدو لم تمهلها طويلا، في مستشفي أمريكي عن عمر يناهز ال 65 عاما ..

إنها فعلا نجم ساطع آخر يذوي من سماء عراقنا الجريح، حيث تفقد بلادنا كل يوم علما من أعلامها الكثر و الكبار، و الذين معظمهم الآن يقضون ما تبقى من سنوات عمرهم في الغربة، بعيدا عن بلادهم، يتحسرون و يتمنون ربما زيارة لساعات لتلك البلاد التي ولدوا و نشأوا فيها، و يتحسرون و هم يشاهدون عن بعد ماذا يجري هناك من مهازل و مآسي و دمار و فساد و قتل و تشريد منذ الإحتلال حتى اليوم ..

ولدت المعمارية زها حديد رحمها الله عام 1950 في بيت عريق من بيوت العراق و الموصل، فهي إبنة وزير المالية الأسبق محمد حديد، حيث كانت له منزلة و مكانة خاصة في تسيير و تطوير الإقتصاد الوطني العراقي خلال السنوات الأولى ما بعد القضاء على الحكم الملكي، حيث تسلم وزارة المالية لحوالي خمسة سنوات إعتبارا من عام ١٩٥٨ ..

أنا شخصيا عرفت عمها، أحمد حديد رحمه الله، بشكل شخصي، و كان شخصية قديرة و كان بيته من البيوت العريقة و الراقية في أحد الأحياء الهادئة و الراقية في بغداد، و كانت لي زيارات مجاملة له بشكل دوري لعدة سنوات و لغاية مغادرتي البلاد، و رغم فارق السن الكبير بيننا، إلا أنني كنت أتمتع كثيرا بزيارتي له في حينها ..

أنهت زها حديد دراستها الثانوية في بغداد، لتنتقل بعدها لتكمل دراستها الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت، و من ثم تنتقل إلى بريطانيا لتكملة دراستها الهندسية، و أسست مؤسستها المعمارية الشهيرة في لندن عام 1979، لتعمل بعدها و تحاضر في العديد من الجامعات العريقة حول العالم، و تمارس مهامها كمهندسة عريقة و شهيرة و تباشر العديد من المشاريع الهندسية المعمارية العريقة و المعقدة و الضخمة في العديد من دول العالم، و لا مجال للدخول في تفاصيل هذه الإنجازات و المشاريع في هذه العجالة ..

تمكنت المرحومة زها من الحصول على العديد من أعرق و أهم الجوائز في مجالات العمارة المختلفة، كما أن ملكة بريطانيا منحتها لقب DAME ، و هي السيدة العراقية الوحيدة التي تحوز على هذا الوسام و اللقب التقديري ..

من ضمن الجوائز التي حصلت عليها، جائزة بريتزكر المشهورة في مجال التصميم المعماري، و هي تعادل في قيمتها جائزة نوبل ، و كان ذلك عام 2004، و كانت الأصغر سنا ممن يفوز بهذه الجائزة، كما حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة عام 2002، كما صنفتها مجلة التايم عام 2010 كرابع أقوى إمرأة في العالم ..

و أعلن المعهد الملكي البريطاني للهندسة المعمارية عن فوز المرحومة زها بالميدالية الذهبية للعمارة لعام 2016، و أصبحت أول إمرأة تحصل على هذه الجائزة التي تعتبر أعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني إعترافا بالإنجاز التاريخي في مجال الهندسة المعمارية ..

ومن أهم المشروعات التي أنجزتها زها حديد، محطة إطفاء الحريق في ألمانيا، ومتحف الفن الحديث في مدينة سينسيناتي الأمريكية، ومركز الفنون الحديثة في روما، وجسر الشيخ زايد في أبوظبي، ومحطة لقطار الأنفاق في ستراسبورغ، والمركز الرئيسي لشركة بي إم دبليو في ألمانيا، ومركز حيدر علييف للمؤتمرات في أذربيجان ..

من الطريف و المحزن في آن، أنها لم تتمكن من إنجاز أي مشروع في بلدها العراق طيلة حياتها، و هذا ما كانت تتمناه بقوة كما يقال من بعض المقربين لها ..

ندعو الله للمرحومة زها أن يتغمدها برحمته الواسعة، و أن يسكنها فسيح جناته، و إنا لله و إنا إليه راجعون ..

لا تعليقات

اترك رد