لماذا تراجع الشعور بالانتماء للوطن لدى الشباب في تونس ؟


 

يمر مجتمعنا التونسي بفترة حرجة من حياته تتسم باهتزاز القيم واضطراب المعايير الاجتماعية والدينية والأخلاقية والوطنية , وقد بدا ذلك واضحا , خاصة بعد “ثورة 14 جانفي ” من خلال كثرة السلوكيات والظواهر الغريبة والمستجدة , التي بات يحياها شبابنا وتؤكد ما يعانونه من اغتراب نفسي وخلل قيمي مخيف والأخطر هو ضعف الشعور بالانتماء للوطن .
فتونس اليوم وفي ظل الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة , تعاني من وجود حالة من الارتباك السياسي والثقافي لدى المجتمع , أدى ٍالى ازدياد مطرد في ظاهرة التطرف والارهاب وانتشار المخدرات والهجرة السرية عند بعض التونسيين وعلى وجه الخصوص فئة الشباب . وتعتبر هذه الظواهر السلبية نتيجة لغياب المشروع الوطني الاستراتيجي ولسياسات الشد والجذب وفشلها في حل الأزمات التي تمر بها البلاد , وهو ما أسهم في وجود حالة عامة من ضعف الانتماء للوطن والولاء له لدى الشباب في تونس . فما هي أسباب تراجع وضمور ثقافة الانتماء وحب الوطن ؟ وهل يدرك شبابنا بعد التغيير الذي جرى على البنية السياسية والاجتماعية في مجتمعنا معنى الانتماء للوطن ؟ وما دور الأسرة والمدرسة التونسية ووسائل الاعلام في تنمية أو اضعاف روح المواطنة والانتماء لدى شبابنا ؟ وما مدى مسؤولية الجهات الحكومية والسياسية في فقدان هذا الشعور ؟
لعل من يتابع حاليا الأوضاع داخل المجتمع التونسي , يجد أن الانتماء للوطن يواجه اختبارا شديد الصعوبة وتراجعا بصورة لافتة , خاصة عند الشباب الذي يواجه تحديات كبيرة ومن أخطرها ثقافة العولمة ومدى تأثيرها على مقومات المواطنة والانتماء لمجتمعه , فبات منجذبا الى الغرب , مما أدى بهم الابتعاد والانسلاخ عن تراثهم وتقاليدهم وقيمهم الثقافية . وتولد عن ذلك تراجعا في الشعور بالانتماء الى مجتمعهم والاعتزاز بهويتهم الوطنية .
ولا غرو في أن شبابنا اليوم , أصبح يعاني غموضا في الهوية وضياعا في الأهداف , خاصة بعد الأزمات والهزات الاجتماعية والسياسية العميقة التي عصفت بالبلاد اثر “الثورة” ومن جراء هذا “الربيع العربي ” , والتي أثرت بشكل واضح على التنشئة الاجتماعية , مما أدى الى ضعف الاهتمام بالقيم كالولاء والانتماء وقيم الترابط الأسري والتسامح والحوار والثقة بالنفس لدى الشباب , وأهتممنا بالتجاذبات السياسية والمعارك الوهمية من أجل السلطة والمصالح الضيقة , ونسينا شبابنا الذين هم عماد الوطن وأساسه وتقدمه , فأدى ذلك الى انتشار الانحلال الاخلاقي والانحراف وتتعاطي المخدرات والتطرف وتنامي الاجرام والهجرة السرية , وصار شبابنا لقمة صائغة بيد العصابات الارهابية وتجار المخدرات والبشر ! وهذا يشير الى وجود أزمة حقيقية يمر بها الشباب التونسي , تعبر عن عدم الرضاء والشعور بفقدان الانتماء لوطنه , مما ولد الفتور والسلبية واللامبالاة وعدم المسؤولية . فما هي أسباب شعورهم بالغربة على أرض بلدهم وعدم الانتماء له ؟؟
لاشك أن في مقدمة هذه الأسباب تقع العوامل التربوية , ذلك لتراجع دور الأسرة والمدرسة في تنمية الوطنية والمواطنة في نفوس أطفالنا وتنشئتهم على الولاء وحب الوطن والاعتزاز به والانتماء اليه منذ الصغر , وتظهر تجلياته في خدمة وطنه والدفاع عنه والاستماته في ذلك ويعلمهم أن هناك هدف أكبر يعيشون من أجله يتعدى المصلحة الشخصية . فهل هذا ينطبق اليوم على تلاميذنا وشبابنا عامة , الذين باتوا يحلمون بالهجرة وترك الوطن بأي ثمن ولو على حساب حياتهم وعبر قوارب الموت ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ هل فشلت الأسرة التونسية والمؤسسات التعليمية و سياسة الدولة في ترسيخ وغرس حب الوطن والانتماء اليه ؟
الثابت اليوم قد أضحينا نعاين ضعفا وضمورا متزايدا وبوتيرة متسرعة في الشعور بالانتماء الى الوطن في صفوف الشباب , وصار الوطن مختزلا بشكل فج في مكونات الدولة , وأصبحت مرتبطة بما هو مادي مثل توفير الشغل ورفع الأجور وتوفير الخدمات … ومن ثم تجعل الوطنية عرضة للمزايدة والمساومة , وتتحول من الحقل القيمي الرمزي الى المجال المادي النفعي الصرفي . وهذه التمثلات المهلكة لم تأت من فراغ , بل تؤكد فشل منظومتنا التربوية في الاضطلاع بأدوارها في تعزيز وترسيخ قيم الوطنية التونسية , وأن عملية تدريس هذه القيم وغرسها في الناشئة لاتسير على ما يرام ويشوبها خلل . كما أن شعور الشباب بأنه مهمل ومهمش ولا يلقى الرعاية والاهتمام وحقوقة مهدرة وحاجاته مهملة , فانه يلعب دورا أساسيا في تراجع وفقدان شعور الانتماء لوطنهم , بسبب حالة الملل واليأس والاحباط والغضب , التي أصابهم نتيجة لسوء وتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالبلاد وانتشار البطالة والفساد واختلاف القيم والمعايير وتضاربها في المجتمع , وعدم المساواة في الفرص والحقوق وزيادة التفاوت الطبقي والتفاخر بالحصول على الجنسية الأجنبية والتقاعس عن تلبية نداء الوطن واستغلال السلطة والنفوذ لمصالح الشخصية , اضافة الى الدور السلبي الذي بلغه الاعلام في تونس والذي أصبح غيرقادر على اعطاء الصورة الحقيقية للمجتمع وتقاليده وأعرافه وما يقدمه من مظاهر للحياة الغربية وكأنها الجنة الموعودة , مما قد يبعث بشبابنا الانبهار بدنيا الآخر والرغبة في الهجرة اليها , فهو اعلام استهلاكي يبحث عن “البوز” وما يبرزه من هموم الحياة الاجتماعية ومن تجاذبات سياسية وشتم وعنف بين الأحزاب , الى حد يدفع بشبابنا الى اليأس والاحباط وفقدان الأمل في المستقبل واهتزاز شعوره بالفخروالاعجاب والاعتزاز بوطنه وبهويته في ظل غياب القدوة الحسنة !
لذا لابد من احتواء هذه الأزمة التي تفتك بشبابنا , وتعد من الأمور الخطيرة باعتبار العبث بانتماء المواطنين لأوطانهم هي لعبة تهدد بعواقب وخيمة . فالدول الكبرى تستخدم الانتماء كأداة مهمة لحماية مصالحها , فلم يعد الصراع بين الدول صراعا عسكريا بقدر ما أصبح صراعا حضاريا ثقافيا وسياسيا . لهذا فالدولة وأجهزتها بمختلف أطيافها مسؤولة عن تراجع وضعف شعور شبابنا بالانتماء لوطنهم , بدءا بمناهجنا المدرسية واعلامنا الاستهلاكي وفشل حكوماتنا وعدم قدرتها على تحقيق طموحات وأحلام شبابنا . فما يجري اليوم حقا في تونس هو أزمة في مفهوم حب الوطن والولاء له , والتحدي الأكبر أمامنا هو ضرورة استرجاع هذا الشعور بالانتماء لدى شبابنا , فالأوطان ومستقبلها تبنى بحب الوطن والولاء له , وبالتالي لابد من التصدي لهذا الضمور والعمل على اعادة النظر في السياسات العامة وفي المناهج التربوية والموادالتعليمية وفي برامج الاعلام والحد من الفساد , حتى يتولد الشعور الحقيقي لدى المواطن بالمواطنة المتساوية والأمان الاجتماعي والثقة بالدولة . فما أحوجنا اليوم من طرف كل شرائح المجتمع على اختلافها الى تجديد الولاء المطلق للوطن , لأنه قيمة ثابتة ويصون تونسنا من جميع الآفات ويحميها من كل المخاطر في الحاضر والمستقبل .

لا تعليقات

اترك رد