العلاقة مع الاشياء

 
الصدى-خاص-عام
لوحة للفنان محمد العمري

الجديد .. اني اتناسل رغم انني وحدي
ا
لجديد ..اني مازلت اغني مجانا . واتقيأ بأجْر
من قصيدة – كما كنت – ديوان عذر الغائب

كلمة “أنا” في ثقافتنا خطره ، لايجرؤ على النطق بها سوى مجنون ، لذلك ننبهر ونحن نقرا قصائد تشيد بالانا ، او طرق دينية ، الصوفية مثلا وهي تعطي للانا حصة الروح والعلاقة المباشرة بالله ، وتغرينا الانا في مانقرا من الادب السري والادب الخاص لكننا نخاف حين نقول – انا ، التي نشيطنها ونتعوذ منها – انا واعوذ بالله من كلمة انا -، الفرد في مجتمعاتنا مستتر بالجماعة ، ولاوجود له كذات او كيان ، وثقافة الجماعة تنتهك اي مبادرة للفرد ، الذي يبدو مصلحا أو متمردا أو ثائرا أو مريضا نفسيا أو خارجا على الجماعة . لذلك تجد جميع الاشياء في مجتمعاتنا كالحياة .. تبدو لك وهي ليست كذلك .. لانك ستسلمها طائعا الى من يليك مهما بلغتَ من دقة العناد والاصرار على البقاء وانشاء صروح الحياة الابدية، ولان الأنا – الخاص مستتر ، والاخرين – العام معلن ، ظلت شخصياتنا فريسة نزاع الخاص والعام واصبح ذلك اهم سمات مجتمعاتنا .. وبقينا منقسمين تماما في السلوك والراي حيث من المؤكد تماما ان شخصياتنا العامة ليست الخاصة ابدا، وان ماتراه لا يقترب مما تتخيله عن اي رجل او امرة . سياسي أو اديب او فنان قليل من اعلان الخاص او اظهاره لغة او سلوكا يجعلك نبيا او بطلا شهيرا ، او مارقا مثل عبد الامير الحصيري الشاعر الذي كتب اعلى الأنا في تاريخ الشعر بقوله :
مَازلْتَ طِفلاً غَريرأً كَيفَ تَقْرَبُني .
أنا التَسَكّع ُ والحرمانُ والأَرَق ُ
أنا الالهُ ، ونُدماني مَلائِكَة ٌ
والحانةُ الكونُ والجلاّسُ مَن خُلِقوا .

الخاص والذات وما يمثل الخلية الاولى للوجود يتحول الى مجرد عينة في ثقافتنا ، وهو اول درجات سلّم الانقلاب التي يصعد اليه الاستثنائيون المؤسسون في مناحي التميز المختلفة . الذين يرى العامة انفسهم في خواصهم ، هذه مقدمة لنشر تاملات طالما انتابني الحرج في اطلاقها، التجربة الخاصة مع الاشياء ، وهي فيض مشاعر مواقف منغمس بفيض من المعلومات والحوادث .

بعد كل مقال اختم كتابته اقول هذا اخر مقال اكتبه ، وسأعود الى حياتي التي خططت لها طويلا بشكل خاص .. وكل قصيدة ابدا بكتابتها اقول هذه اخر قصيدة لي وساعود بعدها الى حياتي الطبيعية . وكل كتاب يصدر لي اقول هذا اخر كتاب اطبعه ، وكل شغل اشتغل بيه اقول مرحلة واعود بعدها لحياتي الطبيعية ، من كثرة ذلك وتعدد المسافات والمدن والترقب والاحداث .. دائما لدي امل بان اعود الى حياتي الطبيعية .. حتى نسيت بالضبط ماهي حياتي الطبيعية ، علاقتي بالكتابة والشعر والفن ليست مشروعا للتاريخ بل هو لهو وتفريغ انفعال وكبت ورغبة جنونية طفولية في اصلاح الكون بدون اية ادوات مناسبة لاصلاحه واي تخطيط او مستشارين . مستشارو مواجهتي في الحياة متقلبون هامشيون عباقرة او محاربون مهزومون روايات وفلسفات متفرقة ورؤى مضطربة من السياسة والمجتمع وتجارب الشعوب في الفن احاديث في الدين ذات ثغرات اطورها الى افكار ومواقف ، التفكير لعبة ولذلك في اللحظة التي اجد فيها بديلا للكتابة اتخلى عنها بسرعة واندفع اليه بشراهة ، العشق والشعر والسفر والسهر والسفر والمفاجأت الجميلة هي ضرائر تتزاحم على موقع واحد في وليست شؤونا لكل منها وقته وحاجته ، اكتب، اتوقف، اعشق، اناور، انشر كتابا، اكتب نصا يصل الى القراء لايصل ، يقال عني اي عنوان ليس مهما .. لا أعرف هل الحياة تستحق ان تقضيها جادا ام هازلا من تفاصيلها ومتشابهاتها ونتائجها المحتومة ، وغير ذلك من بذخ اللامبالاة ، واللجوء الى الكسل والتامل لصناعة اشياء ليست سهلة المنال . حر في التحول ، من مكان الى اخر ومن حال الى اخرى .

هنا ارى ان هوية الانسان وكينونته هي في قدرته على التوفيق بين العام والخاص .. كم من الخاص يتحول عاما ، وكم من العام يتحول خاصا .. الثورة حين تنتقل من فكرة وتخطيط اولي شخصي الى حلم جماهيري .. وابتكار اختراع يتحول من لهو ولعبه الى انجاز للبشرية انه الخاص الذي يتحول الى عام .. مقابل المفاهيم الكبرى كالوطن والدين التي هي عام ، الدين الذي يرغمك على خارطة طريق يعدك بالوصول الى نهاية محددة في نهاية خطوطها وسط فورة من المحاذير ، والوطن الذي لاتستطيع الفكاك من كونه علاقة شخصية ، السر الذي كلما ازدادت قسوته عليك ازددت تعلقا به . تغضب من كل شيء فيه الا منه وتنتقم بذكراه ممن ينعم بايذائه ، مفاهيم متداخلة ننتجها لتقودنا ، ساتحدث عنها بحرية كاملة الى حد ما في هذا الزاوية التي نطل عليها معا من خلال “الصدى” .

المقال السابقوداعا زها حديد
المقال التالىخطوة كبيرة
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar حسن متعب

    سلمت استاذي العزيز.. افكار متزاحمة يصعب اللحاق بها وكل فكرة او نبضة تحتاج الى الكثير من السرد والتوضيح، مايدور في ذهنك يدور في ذهن الكثير من المبدعين الذين وضعوا في مهب عاصفة قوية بين الخاص والعام، وبين السياسة والفكر والدين ولكن ليس بامكان الكثير منهم الفضفضة حتى مع نفسه..
    انه دائما السؤال عما نريد.. وهل وصلنا الى مبتغانا.. اهدافنا تتلاحق وتتوالد وتتجد كما انت حين تكون القصيدة هي كل ماتريد ولكن بعد انهائها تكتشف انك مازلت عائما في الفراغ..
    تحياتي وامنياتي لك دائما بالنجاح

اترك رد