سُخرية

 

ممرٌ طويل. على يسار آخرهِ قاعة اجتماع لأولياء أمور الطلبة الحاضرين للتواصل مع إدارة المدرسة. صُفَّتْ مقاعدهم بشكلٍ متوالٍ. يُقابلون خشبة مسرح متواضعة الصُنع، ليعتليها أحد أعضاء الهيئة التدريسية لإلقاء كلمةٍ أو لتوجيه ما.
كان الهدوء والنِظام يعمَّان المكان قبل أنْ يدخل عليهم (الأبله السمين) – كما كان يطلق عليه أقرانه – الذي لم يستطع أحد نُكران ذكائه، وما يمتلكه من سرعة بديهة تكبر عمره. لتنفجر ضحكات الحاضرين بشكلٍ هستيري لما بدا عليه ذلكَ الطالب من مظهرٍ غريب وهو يرتدي بدلة رسمية، وربطة عنقٍ لكبير (ما) عمراً وحجماً، لتزيد الأكمام طولاً على يديه بشكلٍ ملحوظٍ. وقد تكون محاولتهِ جذب بنطالهِ للأعلى قاصد التقصير، اكثر ما استفز سُخرية الجميع منه.
دخل متوجِّهاً لاعتلاء خشبة المسرح تلك. وكأنها ساتر جبهة، لرفعه هامته بمبالغة عفوية. صعد السلالم وكأنه يتسلَّق قمَّة جبلٍ وهو يسابق رئتيه الصغيرتين على أنفاسٍ تكفي مهمته. توسَّط الخشبة بوقفتهِ، وراح يقفز محاولاً نيل مكبر الصوت. هرولتْ إليهِ مُعلمته الجميلة، وهي تنتقي قفزاتها بخطواتٍ محسوبة، حرصاً على موازنة كعب حِذائها العالي من الالتواء أو التلف. قبَّلتهُ قُبلةً قد تكون مُقررة سلفاً لتفادي الموقف، لتهمََ بإنزاله من على ظهر تلك الخشبة، لكن إصراره المُتعجرف تارةً، وتوسلهُ الطفولي المُنكسِر تارةً أُخرى، جعلها تعدِل عن قرارها لتمنحهُ فرصة نيلِ مكبر الصوت، والبوح بما يُريد. راحت وجنتاه تفور دماً كزهرتين حمراوين. انتظر لبرهة عسى أنْ يكفُّوا عن ضحكاتهم ليبدأ… وأخيراً قال:
– اليوم اجمتعتم من أجل أبنائكم. إلا أنَّ أبي قد تخلَّف عن الحضور. وقد لبستُ بدلته لكي أنوب عنه بحضوري بينكم.
صرخَ أحد الحاضرين ساخراً:
– قد يكون ذهب ليجلب لكَ وليمة تُشبعك أيُّها السمين.
وبين مُعترضٍ على سخرية الرجل، وبين مبرر لمزحتهِ بأنها ملاطفة لا أكثر، لم تختفِ ضحكات من هنا وهناك لقولهِ ذاك. ليجيبهُ الطفل وهو مختنق العبرات:
– لا يا سيدي! أبي ذهبَ شهيداً مُدافعِاً عنكَ. لتحضر اجتماع ابنكَ، ولتسخر من ابنهِ السمين.

لا تعليقات

اترك رد