الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – ج 5/5

 

– أزمة الحوار فقد غابت عن المشهد الفكري والثقافي في الوطن العربي ثقافة الحوار، فمعظم المفكرين والمثقفين انقسموا في شلل ومجموعات فكرية عصبوية ضيقة، وتقوقعوا على أنفسهم بدلاً عن القيام بدورهم الأساسي في أن يكونوا في الطليعة في نشر ثقافة الحوار وفي التصدي للمهام الثقافية والاجتماعية، والكثيرين منهم للاسف أظهروا نرجسية فكرية وتعالي واتسم تعاملهم مع الآخرين بالنظرة الفوقية، الأمر الذي ساهم في عزلهم وانعزالهم بدلاً عن الأنفتاح على الآخرين وثقافتهم ومحاورتهم والقبول بالاختلاف الذي هو سنة الكون .

ترى معظم المثقفين والمفكرين يرددون أن تعدد الآراء والمواقف والنظريات دليل غنى حضاري، وحتى الخطاب الديني يؤكد على أن الاختلاف هو خير ورحمة للأمة، لكن من النادر أن يجري أي حوار باللغة العربية بين أي اثنين من دون تنابذ بالألقاب وشجار وصراخ، فإذا تبنى أحدهم موقفاً من أية قضية من القضايا الفكرية أو الثقافية أو السياسية، حتى أصبح صدره ضيقاً بكل من لا يشاركه موقفه ويتبنى رأيه، وتصبح القضية الرئيسية هي عبارة عن معركة لتصفية الخصم، والنتيجة استنفاذ طاقة الجميع، وإحباط المتحاورين، وتحويل النقاش إلى جدل أفكار تدمر بعضها البعض، بدلاً من استخلاص قيمة الحوار بموقف ثالث بدلاً من استمرار الدوران في حلقة يوحد فيها فقط الفكرة ونقيضها.

وتعود الأسباب الحقيقية لهذه الإشكالية إلى أن معظم الأنظمة السياسية العربية هي أنظمة استبدادية تمارس القهر والقمع وتغيب عنها مفردات العدالة الاجتماعية والحرية، وهذا الأمر يشكل تربة مناسبة لبروز ظاهرة التسلط ونمو الأنا الفردية بمفاعيلها المتعددة مما يشكل بيئة ينمو فيها أشخاص يميلون إلى النزعة الديكتاتورية ذوي الرأي الواحد والموقف الواحد الغير قابل للحوار أو النقاش، أي أن التسلط السياسي يشكل أحد أهم أسباب تراجع واضمحلال ثقافة الحوار بين مكونات المحتمع لأن الحوار والتحاور كسلوك اجتماعي يسعى فيما يسعى إليه بلورة الوعي الجمعي يتناقض مع السلوك الفردي .

عاشراً-الإبداع ، فقد أفلسنا إبداعياً أو على وشك، كلنا نلاحظ غياب الإبداع عن مختلف المكونات الثقافية والعلمية، وأصبحنا نعاني من النمطية والتقليد والتكرار والنقل، وكذلك غياب الإبتكار والتجديد في شتى المجالات، وذلك كنتيجة حتمية لغياب المبدعين العرب . إن أزمة الإبداع في الفكر والثقافة العربية مرتبطة بالظروف العامة التي تحيط بالأمة العربية، فالإبداع لايكون ولايتحقق إلا إذا سقطت الأسباب التي تعيقه وتمنع تحققه، ورغم الطابع الفردي للإبداع بشكل عام إلا أنه يحتاج إلى توفر شروطه المجتمعية، فحين يقف الواقع أمام معالجة واحترام حرية الإنسان وحقوقه في الفكر وفي التعبير يبدأ الإبداع في الظهور .

إن الإبداع كإنتاج حر للخيال والعقل ، يتطلب الوعي والمعرفة ويشترط الإرادة الحرة فلا يتبلور إلا في أجواء ومناخات الحرية والديمقراطية، ورغم وجود بعض المبدعين في المشهد الثقافي والعلمي، إلا أنهم أشبه ما يكونون فلتات قدرية نمت وترعرت وسط كم كبير من القهر والقمع في مجتمعات عربية في معظمها لا تقبل إلا بالتوافق الكامل مع شروطها وضوابطها وموروثها الثقافي والاجتماعي، وأية محاولة للخروج عن هذه المسلمات يعتبرونها نوع من الهرطقة وتكال تهم الإنشقاق والزندقة لمن يتجرأ على الوقوف في وجه هذا الجدار الأصم .

إن غياب الإبداع كان سبباً رئيسياً في ظهور فئة من المتاجرين بالثقافة والفكر والفنون بمعرفة سطحية للقيمة الحقيقية لأي منتج أبداعي ، فقاموا في إغلاق الأبواب في وجه المبدعين الحقيقيين بشتى المجالات، وبذلك وضعوا كل العثرات أمام الإنتاج المثمر والمتميز والحقيقي الذي يمنح المتلقي الفائدة والمتعة، وقاموا بالترويج للأعمال الإبداعية الهابطة التي تحرض فكراً ولاتخدم أية قيمة أخلاقية أو معرفية ولاتمنح أية متعة ،فانتشر الفن الهابط، والأدب الهابط، والموسيقى الهابطة .

أخيراً : إننا نحتاج بشدة إلى عملية إنعاش ثقافية شاملة تعيد إحياء الخصوصية الثقافية العربية، بما يضمن التخلص من حالة الإنحطاط والردة في المشهد الثقافي، وبما يلحظ سؤال المستقبل الذي يؤشر على حيوية ثقافتنا وقابليتها للتطور وقدرتها على الإبداع الذاتي والاستنباط المعرفي لمواجهة جملة المشكلات التي تواجهها، وتضع حداً لحالة التراجع الفكري والعلمي لإعادة استنهاض مقدرات الأمة، وهذا لايمكن تحقيقه إلا بتقوية الجدار الثقافي على أسس متينة، ليكون هذا الجدار قادراً وجاهزاً لاي موائمة تفرضها التطورات التاريخية بين الانفتاح على العالم وعلى ثقافاته المحتلفة ، وبين شروط وضوابط الحفاظ على خصوصية الثقافة والحضارة العربية .

وهنا يظهر الدور الهام والمفصلي للمفكرين والمثقفين في التجديد وإحداث ثورة فكرية داخل المجتمعات، وأن يكونوا في طليعة النهوض ، وعليهم أن يلعبوا الدور الرئيسي في الحراك الفكري والثقافي والاجتماعي التي تشهده بلدان المنطقة، وعدم الركون إلى حالة الركود في بعض الدول الأخرى التي تؤدي إلى أن تتأسن الأفكار وتصبح عرضة لنمو البكتريا وتكاثر الجراثيم فيها ، وهذه هي الوظيفة الحقيقية للمفكرين والمثقفين .

إننا جميعاً بلا استثناء مسؤولين عن الفكر والثقافة وعن هذه الحال من التردي والإنحدار التي وصلنا إليها، والعمل المضني بهدف جسر الهوة بين الأمة ومستقبلها وبين الإمكانيات والطاقات التي تختزنها الأمة، وذلك بهدف النهوض الحضاري عبر وعي وإدراك الذات وتحرير قدراتها عن طريق العلم والفكر والمعرفة والنقد .

لقد حان أوان استيقاظ الأمة العربية من سباتها، وذلك لن يتحقق إلا بإعادة التصالح مع أنفسنا، وإعادة الاعتبار إلى كافة العناوين الفكرية والأسئلة الثقافية، وإعادة صياغة الوعي الجمعي لأبناء الأمة بما يحقق الإنحياز إلى مكونات الثقافة التي تنتج قيماً ومعرفة تدفع بشعوب المنطقة إلى مصاف الأمم المتقدمة، واالكف بشكل نهائي عن هذا الخواء

المقال السابقوحيدة
المقال التالىاصحاب نظرية المؤامرة يلتقطون الانفاس
إعلامي وكاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدنمرك .عضو في اتحاد الصحفيين الدنمركيين.. عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ...عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب..عضو جمعية الصداقة الفلسطينية الدنمركية ...عضو لجان حق العودة الفلسطينية . من أسرة تحرير مجلة الهدف الفلسطينية سابقا ، عمل في راديو منظمة إدف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد