التشكيلية كلستان حمو بين فعل الخلق وفعل القراءة

 

حين تكون دمشق القديمة بعبق نارنجها و خشوع أزقتها ، بمناجاة نوافذها و سحر أبوابها ، بنقاء ياسمينها وأهلها و صدى جدرانها هاجساً لكلستان حمو فالأمر يدعوها إلى الأخذ بالحسبان بأنها ستحتاج إلى جهد مضاعف ، فاللعبة هنا تلزمها إضافة إلى الإتقان لمهارة السعي على مستوى محاكاة معطيات الواقع و متغيراته ، حب و عشق غير محدود للون ، فهنا ستحتاج إلى جميعها من الحار جداً إلى البارد جداً مروراً بالمتخاذل جداً ،

فإذا لم تكن كلستان تتقن التعامل مع ألوانها بلغة السموات فإنها كانت ستعود خائبة من جولتها الأولى في دمشق القديمة ، فلا بد هنا أن يحضر القرمزي بإنقساماته و الأخضر بتدرجاته و الأزرق بتقلباته و الرمادي بآهاته ، و على كلستان أن تجمع كل ذلك في إناء واحد أعني في عملها ، هي رؤى ستضع كلستان حسها على كل تحولاتها التي قد تشكل فيما بعد لاوعيها حتى في مناطق التلامس حيث التداخل عال ما بين إندفاع حركتها بإتجاه الحدث و ما بين دينامية الصياغة حين تجمع بينهما بكيفية بناء عالم يميل إلى التخيّيل دون أي إنفصام عن المشهد المطروح عبر تماسك في زمن النشأة و التكون و كأنها وأقصد كلستان تُكْشف لنا بأن التّذوق و إن كان ليس واحداً و يختلف من مكان لآخر و من زمن لآخر و من متلق إلى آخر إلا أنه هنا و نحن نتطلع للبنات الحي الدمشقي القديم بكل رائحتها يتجه إلى البحث عن إتجاه خاص به ،


فكلستان تثير موضوعها بتعبه و شحوبه بأهمية جمالية و تاريخية معاً تجعلنا نوليه الأهمية نحن أيضاً و نتلقى سردها بتقنياته المختلفة كإستثناءات لنماذج بسيطة لكن بحميمية عذبة فالعبق كما يلف المكان كذلك يلف ألوانها دون أي توقف لتبادل الشهيق بالزفير أو العكس ، و بالتالي يلفنا أيضاً كمتلقين و هذا ما يجعل الحالة عندها مستوعبة و بلغة تعبيرية أقرب إلى لغة هديل اليمام من الجامع الأموي و هو يلف المكان بذائقة غير مصطنعة بل عاشقة لذلك السجال العذب بين فعل القراءة الذي يكسر الحدود بمخيلة تتمثل بطرح تساؤلات لا تنتظر أجوبتها ، و بين فعل الخلق و هي تقترب من مقولات لا تبحث عن شيفرات لفكها ، فكلستان تسيطر على الرؤى المسبقة الصنع و ترميها في نهر بردى الأقرب لمكان تواجد عالمها ، و بإيقاع ما قد يكون مقاماً صوفياً به تتجاوز حواراً طويلاً و شاملاً يتدفق من أعمالها و المكان / حارات دمشق القديمة / دون أن تولي إيصاله إلينا و لو بهامش ما ،

فمقارباتها على أهميتها أوراق مبعثرة في دواخل متلقيها و بحركة لولبية تذهب به بعيداً و تعيده إلى ذات المكان لاحقاً و هذه إشارة إلى أن كلستان تجاوزت العتبات وباتت تركز على المحتويات بقيمها الجمالية مع تركها لإشكاليات كثيرة معلقة ، لا في أعماق المتلقي فحسب بل في مجمل مشهدها الجمالي بكل عبقه و غنائيته المستمد من عبق و حواري دمشق القديمة ، فحين تصر كلستان أن يضيء سردها و تضاء في الآن ذاته فإنها تعلق صوتها في ظلال الذاكرة بوصفه مدى لعالمها الداخلي ضمن إيقاعات تورط السارد في التوجه إليها مما يشكل خطوة لحلمها نحو ضفاف أخرى ، بطعم و رائحة و نكهة مختلفة ، فكائناتها ظل و سماؤها ضباب ينقشع عنهما رقع تتسع لأرواح تواكب الحياة الممتلئة برائحة ألوانها .

لا تعليقات

اترك رد