وحيدة


 
لوحة للفنانة هناء بكتاش

اقتادوها سبية .. ماكانوا الدواعش.. بل اجتمعت عليها الايام والزمن البغيض.. حاملة تلك الهموم وحقيبة حزن ترافق خطاها .. ودروبها التي فقدت خارطتها وظهرها الذي ما زال مستقيما يأبى ان ينحني تضحك وترقص وتغني تارة… واخرى تبكي تلوم تلك الايام … وعهودا لم تفِ بوعودها.. تسير وتدمدم ماذا فعلت .. لكي اعاقب..؟؟ ألا يكفي ما دفعته من ثمن تذكرة هذه الحياة…! كانت غالية جدا.. وما زالت تدفع تلك الاقساط التي قصمت ظهرها.. تلك الحنون القاسية … تلك المغفلة التي ظنت بانه الفارس الذي ظنت به فارسا منقذا يركض لاهثا لاحضانها ليداعب خصلات شعرها ملتحفا اياها من لسعة برد تداعب وجنتيها ، ممسكا بيديها ، مقبلا جيدها ما فتئت تظنه باقيا معها !! استيقظت ذات صباح تنادي اين انا..؟ لم تك تسمع غير صوت خفيض .. أنا هنا معك..! من انت..؟ انا الامنيات العذارى…. امنيات.. لم تقو على ان تفتح عينيها هل كان كابوسا ام حقيقة…؟ ماذا يحدث لي..؟انتفضت من سريرها لترى تجاعيد الظلام في مرآة قديمة تضعها بجانبها كانت تحكي معها احيانا وتردد تلك الاخرى ما تقول … كل ما تذكرته انه كان يوما صعبا عليها.. حين اتصل بها وكانت تصغي لصمته.. امتلأ البيت ضجيجا ببحة صوتها وهي تبكي مطالبة اياه ان يتفوه بكلمة لعلها تشفي غليلها.. لكنها لم تكن تسمع الا ذاك الصمت.. وحشرجة صوتها … معاتبة اياه … ماذا فعلت..؟ ! هل اذنبت بحقك ..! ام هو الزمن الذي أذنب بحقي، بعد ثلاثة عقود ونيف.. لم اسمع عنك شيئا ولم تكلف نفسك عناء لتسأل عني .. أما زلت كما أنا أم تغيرت كما تتغير مواضع النجوم ومعالم القمر .. احببت ،تزوجت ، انجبت، لم يجبها … كل ما كان يفعله ان يستمع لها ولم ينبس ببنت شفة..سوى اعترافه بانه اناني… وهذا حال معظم الرجال.. تذكرت مرة حين سلمها مذكراته ، قرأتها لم تجد ما هو غريب بعد عقود سوى انه اراد ان يكمل يتمم دراسته الجامعية.. كان مسالما لدرجة انها كانت تجده من فرطها كائنا سلبيا لا يستطيع اتخاذ القرارات رغم ثقافته العالية التي اعجبت بها.. طرق بابها يوما .. ليته لم يطرقها.. كانت الطامة الكبرى.. حين اوهمها بحبه .. وصدقته كعادتها… لا تُكذبْ احدا وتصدق كل ما يقال لها… ولِمَ الكُذبْ.. لن اكذب ما حييت… لكنها كانت تكذب على نفسها…!؟ لا تجبرك على قول الحقيقة وتدعك تتكلم وكلها آذان صاغية للجميع دون استثناء كانت تعاني اليتم يتم العاطفة مذ اثمرت شجرة الليمون.. وتعرش اللبلاب….شباك غرفتها وتتوالى الايام والاحداث وتبقى وحيدة.. تلك الفتاةالتي كانت الوحيدة لعائلة ثرية لم تنجب غيرها بعد عدة اجهاضات.. لم تصبر وحيدة في رحم امها غير سبعة شهور..! انتابت الام نوبة هستيرية خوفا من فقدانها تلك الطفلة… مخافة ان يستجلب لها ضرة تزيد حياتها سوادا وسوءا.. ظلت وحيدة لبضعة ايام في قسم الخدج .. وبالرغم من تدهور صحتها ، بقيت تصارع الحياة صامدة امام الموت .. لربما اراد الله لها ان تحيا… ليتها استبدلت حياة الاهات وعذابات السنين بموت سرمدي … لكانت طيرا من طيور الجنة.. تكلم نفسها وتدندن.. باغنيات قديمة حزينة.. تعزي نفسها بفقدان من ظنته وطنا وكان لها منفى ما زالت تسير في ارض الله باحثة عن ذاك المنفى… ربما سيعوضها عن

ما لاقت من مصاعب وويلات زمن لم يرحمها.. رجعت وحيدة خالية الوفاض لا تملك الا ذاك القلب الكبير ودمعتين في مقلتيها تذكرها بتلك الوعود الكاذبة.. ورفيقة دربها واوفى اصدقائها .. تلك الصادقة الصدوق .. وحدتها !! .

لا تعليقات

اترك رد