امريكا ، المنقسمة على نفسها !!

 

لن اعلق مطولاً على هذه المقالة فقد سبق ان كُتب الكثير حول الانقسام في داخل المجتمع الامريكي ، مثل الانقسام الطبقي والانقسام العرقي وقضايا التمييز تجاه المراة . لكن الملفت للنظر ، وبعد انتخاب دونالد ترامپ ، هو ظهور انقسام بنيوي عميق مبني على المصالح المتفاوتة في الزمان .

الانقسامات الطبقية والجنسية تظهر متزامنة وفق درجة من درجات تطور المجتمع وما يؤسس له ذلك من تفاوت في مصالح متزامنة تعود لحقبة محددة من التطور التاريخي للمجتمع . اما الانقسام الحالي في الولايات المتحدة فهو يعود الى ظهور مايسمى بالثورة الرقمية وبروز اقتصاد المعرفة وهو نوع من الاقتصاد يقوم على ضآلة رأسمال التشغيل والاستغناء عن حشود العمال ويحتاج الى بيئة عالمية مفتوحة الافاق وإنتاجه ينتقل بالدرجة الاساس عبر خطوط اتصالات الانترنت وتشكل الوصفات التقنية اهم مواد صادراته . مقابل هذا الاقتصاد هنالك قطاع الاقتصاد الصناعي التقليدي الذي يقوم على استخدام جيوش من العمال وبالتالي يتطلب قدراً كبيراً من الرأسمال التشغيلي اضافة الى استهلاكه كميات هائلة من الطاقة الحرارية التي توفرها المحروقات الأحفورية الملوثة للبيئة . هذا الاقتصاد كان يحتاج الى الحدود المفتوحة في يوم من الأيام لكنه عاد واصبح عديم القدرة على التنافس بعد ان استعادت مجموعة من دول العالم المتخلف ( الصين وبقية الاقتصادات الصاعدة ) مكانتها في اسواق تصريف منتجات اقتصاد الصناعات التقليدية حيث تتوفر المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة ، وبالتالي فقد اصبح هذا الاقتصاد التقليدي بحاجة الى اجراءات الحماية التقليدية التي طالما اعتبرتها اللبرالية التقليدية عوائق امام التقدم .

هذا التطور ادى الى خلق تناقض مصيري حاد بين شرائح المجتمع الامريكي وانقسمت بشأنه الولايات الى مايعرف بالولايات الزرقاء التي تناصر الاقتصاد الجديد والحمراء التي تناصر الاقتصاد التقليدي . هذا الانقسام شمل قضايا كونية جوهرية مثل البيئة والتجارة الحرة متعددة الاطراف والهجرة التي تزاحم في سوق العمل . هذه القضايا ليست قضايا طارئة بل هي تقع في جوهر الحياة العامة في الولايات المتحدة وتفرض انشقاقات ومواقف متناقضة على المستوى الاجتماعي والسياسي غير قابلة للرتق ، كما تفرض لاول مرة نفسها بنوداً أساسية في اجندات السياسة الداخلية .

تحاول كاتبة المقالة ( ريبيكا كيللر ) رصد هذه الظاهرة في تقرير نشره موقع ( ستراتفور ) الامريكي المتخصص بالشؤون الاستخبارية في نشرته ليوم ١٧ / ٧ / ٢٠١٧ ، وفيما يلي اهم ماورد فيه :

ينشغل العالم منذ سنة بالتكيف مع التغييرات المستجدة في السياسة الخارجية الامريكية ، الحقيقي منها او المُتَصَوّر . كذلك ينقسم الامريكيون على انفسهم بشأن اي من الوسائل هي الأفضل للتعامل مع العالم المحيط بهم .

تنقسم الولايات المتحدة الامريكية وفق احتياجاتها التي يتعين إشباعها كما هو شأن دول الاتحاد الاوروپي . لقد أمّن التقدم التقني لبعض الولايات امكانية الاقتراب من تحقيق أهدافها في الوقت الذي أبقى هذا التقدم مناطق اخرى في الخلف ؛ هذه المناطق شكلت في يوم من الأيام قوى سياسية متقدمة في إطار الحياة السياسية الامريكية لانها شكلت سلة الخبز الامريكية المزدهرة ، ونشير هنا الى ولايات الغرب الاوسط .

وكما اتسعت الهوة بين ولايات البلاد كذلك تباينت أولوياتها السياسية .

لقد ارتسم الخطاب والحوار السياسيان الأمريكيان وفقاً لنسيج الحياة السياسية الامريكية الداخلية ، ولكن من النادر ماشكلت قضايا السياسة الخارجية والشؤون الدولية موضوعات للانقسام بشكل جوهري ؛ غير ان الامر لم يعد كذلك في ضوء التطور الجديد المتمثل بالخطاب الشعبوي للرئيس دونالد ترامپ الذي حشد مؤيدين اقوياء ومعارضين على قدر اكبر من القوة للبيت الأبيض .

قدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة على تباين الفهم الذي حمله الامريكيون لما نسميه ” القيم الوطنية National Values ” ، لقد عملت الفترات الانتخابية على توسيع هوة هذا التباين في الفهم . لقد تراوح اتساع وضيق هذا التباين في الفهم مثل البندول وكان يتساوق مع وتيرة عدم التوافق الوطني حول قضايا محددة في أوقات محددة ؛ في حالات عدم التوافق العميق تلجأ الولايات التي يحكمها حزب الأقلية بتوسيع ممارسة سلطات الحكم الذاتي التي يضمنها الدستور للولايات .

ان مثل هذه اللحظات ، والتي يحركها في الأغلب العامل الاقتصادي ، لم تحدث كثيراً في الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية . خلال اغلب فترة القرن العشرين ، وفي ذروة صعود صناعة الصلب ، شكلت الولايات المُصَنِّعة مثل أوهايو وتلك الغنية بإنتاجها الزراعي مثل ولايات حوض المسيسيپي عامل الدفع الرئيسي لتتبوأ الولايات المتحدة مكانتها الصاعدة بين دول العالم .

لقد طرأت مع حلول القرن الحادي والعشرين متغيرات جديدة أهمها ظهور الشحن بواسطة الحاويات النمطية وأتمتة الصناعة والعولمة ؛ هذه التطورات ادت الى تراجع عمالقة الصناعات المعدنية التقليدية . لقد أقفلت بعض المصانع ابوابها وتراجع الانتاج الصناعي في هذه الولايات بسبب فقدانها لقدرتها التنافسية مع حلول الثورة التقنية التي اكتسحت العالم محل الثورة الصناعية التقليدية . ترتب عن ذلك كارثة الطبقة الوسطى التي بدات بالحشد خلف السياسات الفدرالية الداعية الى اعادة عقارب الساعة والعودة الى مرحلة ” الزمن الجميل ” . لقد تعالت بشكل متزايد أصوات هؤلاء الذين تم نسيانهم خلال ادارةٍ الرئيس اوباما التي اولت اهتمامها بالعولمة والتجارة الحرة متعددة الاطراف . لقد تمكن المنسيون من جذب البندول الى الخلف نحو تطلعاتهم من خلال انتخاب الرجل الذي وعد بان تكون قضيتهم هي أولويته .

لكن هذا الامر لم يتماشى مع توجهات كاليفورنيا اكثر الولايات الامريكية كثافة بالسكان ؛ لقد قطعت كاليفورنيا اشواطاً واسعة على المستوى الاقتصادي خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين . لم تكن لدى هذه الولاية القدرة على منافسة اقتصاديات الولايات المُصَنِّعة الواقعة على ضفاف البحيرات الكبرى وحوض المسيسيپي حتى تم اكتشاف النقل بواسطة الحاويات النمطية { ملاحظة : اولى النتائج التي ترتبت عن تعميم النقل بالحلويات هو ازدياد الحاجة الى موانئ بحرية عميقة بدلاً من الموانئ النهرية او الواقعة على البحيرات كما هو حال موانئ البحيرات العظمى وموانئ حوض المسيسيپي الامر الذي اثر على نمو الولايات التي تضم هذه الموانئ الداخلية وتراجع إقتصادياتها } ، وعندما بدأت الصناعة الامريكية بالتراجع بقيت كاليفورنيا بعيدة عن التأثر بذلك ، وفي النهاية احتلت المركز الاقتصادي السادس عالمياً واصبحت مركزاً للقيادة في الثورة التقنية ، وهي حالياً موطن حوالى عشرة ملايين من المهاجرين وذات ثقافة تشجع على الابتكار والاختراع . تتخذ كاليفورنيا مواقف سياسية تختلف عن تلك التي تتخذها ولايات الغرب الاوسط التي تضم قواعد دونالد ترامپ الشعبية وخاصة في قضايا البيئة والطاقة والهجرة وفي ميدان التكنولوجيا .

لقد تبنت كاليفورنيا وحاكمها جيري براون موقفاً معارضاً لسياسات ترامپ الخاصة بالتغير المناخي ، وبعد اعلان الرئيس نيته الانسحاب من اتفاقية پاريس حول التغير المناخي قام براون مع عدد من قادة الولايات والمدن والصناعات لتأكيد التزام ولايته بالاتفاقية ومن احل خلق شراكة وانتهاج سياسات واقرار قوانين على مستوى الولاية بما يتوافق مع اهداف اتفاق پاريس . قام الحاكم المذكور ايضاً بالسفر الى الصين لعقد اتفاق غير رسمي للتعاون حول الطاقة الخضراء وحماية البيئة .

لقد قامت ولاية كاليفورنيا ايضاً بتبني مبادرة اخرى من عهد الرئيس اوباما وهي خطة الطاقة النظيفة . لقد أعلن سكوت پرويت رئيس وكالة حماية البيئة باستئناف العمل لالغاء قانون الاتفاقية التي اصبحت موضع جدل قضائي وانقسمت الولايات الى حمراء تريد إلغاء الاتفاق واُخرى زرقاء تريد الإبقاء عليها واستخدام القضاء في محاولة اعاقة آية مقترحات يتقدم بها الجمهوريون لأبطالها .

من الواضح ان ان الاعتبارات التكنولوجية التي تقف خلف قرارات الولايات بشأن منافع توليد الطاقة النظيفة هي التي ستشكل مواقفها السياسية التي تتوافق مع اتفاقية پاريس بغض النظر عن مدى التزام حكومة الولايات المتحدة رسمياً بها .

لقد تجاوزت الخلافات بين الولايات والحكومة قضايا البيئة . لقد بات واضحاً خلال العام الماضي ان قضية الهجرة تشكل بؤرة نزاع بين عدد من الولايات والبيت الأبيض وخاصة كاليفورنيا التي يشكل المولودون خارج الولايات المتحدة ثلث سكانها . لقد استخدم ترامپ سلطاته التنفيذية لفرض قيود على دخول مواطني تسعة بلدان مستنداً الى تنفيذ قوانين الهجرة ، الامر الذي ادى الى زيادة اعداد الذين ألقي القبض عليهم بحكم هذه القوانين . لقد ادى الاضطراب الذي حل في برنامج منح تأشيرات الدخول الى ارتفاع الأصوات داخل اوساط الهيئات المعنية بالتكنولوجيا والأعمال لان ذلك يشكل عائقاً بينها وبين امكانية استقدام أفضل وألمع الخبرات في هذه المجالات ، وسيلجأ هذا القطاع الى اعلان معارضة عميقة لسياسات الرئيس بهذا الشأن .

لقد بادرت كاليفورنيا باتخاذ خطوات مسبقة لحماية المهاجرين اليها وذلك من خلال اعلان نفسها ملاذاً امناً للمهاجرين في اوائل شهر ت١/أكتوبر ، وهذا يفرض قيوداً على مدى التعاون الذي سيقدمه موظفوا الولاية للسلطات الفدرالية المعنية بإنفاذ قوانين الهجرة . لقد قامت ادارةٍ ترامپ بإعلان تهديدها بسحب جميع المعونات الفدرالية لمثل هذه الملاذات ، رغم ان البعض يعتبر ان مثل هذا الإجراء قد يرقى الى مستوى التعسف من طرف الحكومة الفدرالية مما يمنع وضعه موضع التنفيذ . يبدو ان الامر سيكون بين أيدي المحكمة العليا في نهاية المطاف .

لقد استحوذت سياسات الهجرة والبيئة على اغلب عناوين الأخبار ولكن سياسات ترامپ التجارية قد كشفت بشكل جلي تنازع المصالح بين ولايات الارياف والولايات الحضرية . وهنالك مفارقة في هذا الموضوع .

للوهلة الاولى يبدو ان الولايات ذات التجارة الخارجية النشطة ستكون المعارضة الرئيسية للسياسات الحمائية او اعادة التفاوض بشأن قواعد تحريرالتجارة الدولية او الإجراءات التجارية العقابية ضد الشركاء التجاريين الدوليين وهي السياسات التي ميزت ادارةٍ ترامپ خلال فترة رئاسته حتى الان ؛ ولكن ظهر ان اغلب الولايات التي تشكل التجارة ( الصادرات والواردات ) النصيب الأكبر في ناتجها الاجمالي الداخلي GDP ، هي ذاتها التي كانت تنتج يوماً الحصة الأكبر من السلع المُصَنِّعة الثقيلة في ولايات الداخل الامريكي مثل متشيغان وتنيسي وكنتاكي ولويزيانا ولكنها تحلم باستعادة مكانتها ؛ يمكن لقضية التجارة ان تشكل عامل تشقق في القاعدة المؤيدة لترامپ . هنالك في قاعدة ترامپ من يؤيد التجارة الحرة واخرون يؤيدون النزعة الحمائية ولذلك من الصعب ارضاء الجميع ؛ لكن من المؤكد انه مهما كان حجم ونوع المفاوضات التجارية مع الصين وكوريا الجنوبية وكندا ، ولكن ذلك لن يعيق التقدم التقني الذي ادى الى ضعف الطبقة الوسطى والقطاع الصناعي التقليدي ، وعندما يكتشف مؤيدوا الرئيس ان سياساته لن تؤدي الى الأغراض التي أعلن عنها فقد ينصرفون عن تأييده بعد اقل من اربع سنوات .

لقد اظهرت سياسات الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية وسوريا وافغانستان بان مقتضيات الجغرافيا السياسية تفرض قيوداً صارمة على اكثر دول العالم قوةً . وبذات القدر فان متطلبات السياسة الداخلية يمكنها من فرض نفسها على صانع القرار وعلى كافة فروع الحكومة . لقد اظهرت التطورات الاخيرة ايضاً انه وللمرة الاولى يصبح الانقسام حول قضايا السياسة الخارجية في قلب الحياة السياسية الامريكية ويهدد بنتائج قد تتجاوز حدود الولايات المتحدة .

المقال السابقولاد مصر رجالة
المقال التالىحرب الطرق تحصد المزيد من الارواح
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد