القومية بين صدام مفهومي السيادة والحكم الذاتي


 

معظم دول اليوم نشأت من انحلال الإمبراطوريات، فالدول العربية كانت جزء من الإمبراطورية العثمانية والتي دخلت في صراع مع الدولة الصفوية والدول الإمبراطوريات الأوربية خصوصا البرتغال وفرنسا وبريطانيا، حتى دول أوربا لم تسلم من الانحلال بسبب الحرب العالمية الأولى فكانت إعادة رسم خريطة أوربا بعد الحرب العالمية الأولى على يد بومان عام 1921.

تهدد القومية الآن بانحلال الدول التي تعتبر أن الإدارات الحكومية سلمت إلى الأمم الكبيرة في تلك البلدان كالعراق وتركيا وإيران وسوريا دون مراعاة الأمم الصغيرة كالأمة الكردية والأمة الأمازيغية والبلوش والمقدونيين وترى أن تلك الأمم الكبيرة عملت على اختراق حدودها الاجتماعية وتبديل أسماء بلداتها وهي تطلق على نفسها مصطلح شعوب العالم الرابع المحرومة من الاستقلال وعضوية الأمم المتحدة والتي يمكن أن يصل عدد تلك الشعوب أكثر من 265 شعبا ووطنا في حين لم يتجاوز عدد الشعوب التي تتمتع بعضوية الأمم المتحدة ال 200 عضوا حتى الآن، لذلك هي ترى أن النزاعات المسلحة تجري حصرا بين شعوب العالم الرابع والأمم المهيمنة.

تمثل حركة استفتاء كردستان في العراق واستفتاء كتالونيا في اسبانيا وقد يكون مستقبلا الكيبك في كندا والاسكتلنديين في بريطانيا وإنفاصليين آخرين في أماكن أخرى متعددة من العالم من أجل تقرير المصير على الصعيد الوطني، وتركت حقيقة سيادة هذه الدول على المحك والتي يمكن أن تفتح الباب أمام مزيد من الانحلال.

القوميات التي تريد أن تجري الاستفتاء من أجل تقرير المصير تراه حقا، لكن الشعوب الأخرى هي في حيرة من أمرها ولم تحدد من معه الحق، لكن هناك أمر خطير جدا من مثل تلك الاستفتاءات التي تمثل أكبر تهديد للمؤسسات الديمقراطية، رغم أن هذه الديمقراطيات سوقت فيما مضى لحق تقرير المصير عندما تريد تطبيق أجندة خاصة لها في العالم خارج أوربا وأمريكا بأن هذه القوميات التي تطالب بحق تقرير المصير هي نزاعات لها الحق في أن تحصل على حق تقرير المصير عن طريق التصويت الشعبي البسيط باعتبار أن الاستفتاءات هي أعلى شكل من أشكال الديمقراطية، لكن التجربة لم تقف عند أكراد العراق بل انتقلت فورا إلى كتالونيا في أوربا مما يجعلنا ننتظر المفارقة في التعامل بين الاستفتائين وإن كان القضاء الاسباني حسم استفتاء كتالونيا بأنه مخالف للدستور وقامت الحكومة المركزية بتهديد الإقليم إن لم يسحب

نتائج الاستفتاء وأمهل لفترة، وكذلك وقفت الولايات المتحدة على الحياد أمام الحليفين خصوصا وأن البرزاني لم يستجيب لنصائح أمريكا بأن الوقت لم يحن للإستفتاء لذلك تدخلت حكومة المركز بالتنسيق مع أكراد طالباني واسترداد كركوك والمناطق المتنازع عليها التي استولى عليها الأكراد بعد احتلال داعش الموصل.

ومن يعود إلى تصريحات مارجت تاتشر نجد أنها اعتبرت الاستفتاء في كثير من الأحيان طريق إلى الاستبداد أو أداة للسياسيين القوميين الذين يلعبون بعواطف العامة والديكتاتوريين، لكن اختارت اسكتلندا عام 2014 بأكثر من 55 في المائة الوحدة مع بريطانيا، لكن اليوم يطالب القوميون الاستقلال ما جعل ماي رئيسة الوزراء تهاجم القوميين بأن مطالبتهم في هذا الوقت ليس عدلا خصوصا وأن بريطانيا في حالة البريكست، وهي تجري مفاوضات الطلاق المتعثرة مع الاتحاد الأوربي، رغم أن اسكتلندا أجلت الاستفتاء قبل يوم واحد من البريكست بعد حدوث تفجير استهدف مبنى البرلمان البريطاني في ويستمنستر.

هناك عدة تساؤلات بأن الحرية تستند إلى سيادة القانون، والديمقراطية تكفل حق الأقليات، ولا يمكن أن تكون الدول تحت رحمة التجزؤ بسبب نزوات شعبية، خصوصا إذا كانت هناك دساتير تكرس الحريات الأساسية للجميع وهي عقد بين أي مواطن والدولة، وهو ما اعتبرته الجمهورية الاتحادية الألمانية أسباب وجيهة للتنصل من إجراء أي استفتاء داخل الوطن.

ممن يتجهون لإجراء تلك الاستفتاءات يشيرون إلى إيمان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون بأن حق تقرير المصير مبدأ حاكم في العلاقات الدولية والتي أتت في خطابه في نهاية الحرب العالمية الأولى واعتبر نصا مقدسا للذين يسعون للحكم الذاتي.

وطالب ويلسون بالسيادة للدول التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية وقدم ضمانات لدول البلقان ودولة للبولنديين وفي بلدان أخرى طالب بأن تكون أكثر اتساقا مع الأعراق، لكنه كان يقصد تقصي التوازن وفي نفس حل محلها عصبة الأمم المتحدة في ذلك الوقت.

لكن هذه المعايير التي وضعت في ذلك الوقت كانت تتناسب مع تلك الظروف، رغم ذلك فإن الولايات المتحدة حتى اليوم انتقائية ومهتمة بإعادة رسم الخريطة بما يتناسب مع مصالحها، وخصوصا وأنها ترفض ضمنيا خرائط سايكس بيكو التي رسمت

بالتوافق بين بريطانيا وفرنسا قبل الحرب العالمية الأولى وهو ما عارضها ضمنيا الرئيس الأمريكي ويلسون.

لكن العالم كان قد دخل مرحلة الاستعمار ولم يكن للولايات المتحدة نصيب لأن الخرائط قد قسمت قبل الحرب العالمية الأولى ودخلت تلك الدول في زمن الحرب العالمية الثانية وانشغلت بعد الحرب العالمية الثانية بالحرب الباردة التي لم تتمكن الولايات المتحدة من صياغة وتعديل تلك الخرائط فهي التي لا تزال هاجسا أمريكا كلما دعت الظروف والأحداث، رغم أن كثير من الدبلوماسيين الأمريكيين حذروا الأكراد من عدم الثقة بالولايات المتحدة التي تغير موقفها في لحظة ولن تقف إلى جانبهم ضد بقية الدول الإقليمية الأخرى.

انفصال كل مجموعة وأن تطالب أن تحل محل مكانة الأمة أمر غير متسق ولا يتناسب مع الظروف الحالية، قد يعتبر البعض أن بوتين حينما ضم شبه جزيرة القرم وصف هذا الضم بأنه عمل من أعمال تقرير المصير، واعتبر أن شعب القرم أيد الغزو الروسي في استفتاء لاحق، لكن الديمقراطيين اعتبروا الضم عمل عدواني مسلح ينتهك سيادة أوكرانيا ويشكل تحديا للنظام الأوربي خصوصا وأنها حدود تم الاتفاق عليها بعد الحرب العالمية الثانية.

من يتبع طريق بوتين ويعتبره تقرير المصير فإنه طريق يؤدي إلى التطهير العرقي وبالفعل حزب الله وبقية وكلاء إيران يمارسون التطهير العرقي في سوريا.

لا توجد صيغة سحرية للتوفيق بين القوميات المتنافسة، لكن كيف أن الدساتير تضمن حق الاستقلال الذاتي وفي الوقت نفسه عدم قابلية الدولة للتجزئة ما يعني أن هناك تصادم بين الحكم الذاتي والسيادة، أي أن الاستقلال غير ممكن إذا كان الحكم الذاتي ممكنا وستحدد العلاقة بين الحكم الذاتي والسيادي إما من خلال الاتفاق السياسي أو من خلال الحرب الأهلية لأن الأغلبية من الطبيعي أن تصوت للاستقلال.

لكن المقارنة بين كتالونيا وتيمور الشرقية أو كوسوفو أو جنوب السودان مثلا لا تصمد في التحليل والقبول بنتائج تلك الاستفتاءات، لكن بالنظر إلى طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوربي الذي جعل الاتحاد الأوربي يرفض الثمن الزهيد لبريكست وقال رئيس البرلمان الأوربي انطونيو تلاجاني في 16/10/2017 نريد استعادة أموالنا مثلما قالت السيدة تاتشر قبل 30 أو 40 عاما بعدها يصبح بالإمكان بدء المفاوضات حول الاتفاق الجديد، وكان يشير إلى طلب رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر في 1980 ضبط
مساهمة بريطانيا في ميزانية الاتحاد، ما يجعل أن المفاوضات صعبة خصوصا وأن الاتحاد الأوربي يلعب على أن الاشخاص الذين يريدون مغادرة الاتحاد الأوربي في بريطانيا غير متفقين فيما بينهم، خصوصا وأن بريطانيا تريد أن ترتبط بعلاقة تجارية وثيقة مع أوربا كما هي الآن، لكنها أيضا على ما يبدو تريد شيئا مختلفا.

لا تعليقات

اترك رد