الصدق التاريخي والصدق الفيلمي


 

حين يحاول السينمائي ان يستلهم التاريخ في ابداعه الفني فانه يتخذ من الاحداث والحقائق التاريخية المجردة نواة أولية لمعالجة رؤاه الابداعية بأسلوب فني يختار الحدث التاريخي لكي يفضي به الى ترميز معنوي ، ومن هنا تميز الفن عن التاريخ بقدرته على كشف الواقع التاريخي من زاوية يصعب على التاريخ النفاذ اليها ، فنحن نلجأ الى الفن للوصول الى العالم الداخلي للروح وبعث الاحساس بالمتعة الجمالية للفرد ، والفيلم بوصفه فناً ابداعياً يذهب الى تلك المساحة الفارغة في التاريخ لينفذ منها – من خلالها- يسلط الضوء على جوانبها السياسية والفكرية والاجتماعية بلغته الخاصة ، يذهب ( امبرتو إيكو ) في تشخيصه لعلاقة السينما بالتاريخ الى أن صانع الفيلم لايعدو في نظره أن يكون مؤرخاً ولكنه يحتل مرتبة أعلى من كاتب التاريخ ، لانه يخلق التاريخ مرة أخرى وأن أسمى واجبات هذا الشاعر هو الاقتراب من التاريخ كما ينبغي ان يكون ، (إيكو ) هنا يتقاطع نسبيا مع المهمة الابداعية الجمالية الموكلة لصانع الفيلم والمشتقة من أحقية الفن بالتدخل في الحياة الطبيعية بالاضافة والحذف واعادة التركيب وصياغته كونه يرصد التاريخ الخفي المهمل الذي يحتاج الى استبصار ووعي وادراك . وبذلك ينجح الفيلم التاريخي حين يكتشف جذوره بين الركام الهائل للوقائع التاريخية، وعلى مستوى العلاقة بين صانع الفيلم والمادة التاريخية التي يعتمدها ، فأن السؤال الاهم هو :

الى اي مدى تحكم الحقيقة التاريخية صانع الفيلم اثناء معالجته لمادته التاريخية ؟
يجيب البعض على ذلك بضرورة تقيد صانع الفيلم بالمادة التاريخية والالتزام بعرضها عرضا حقيقياً صادقاً من الناحية التاريخية ، ولكننا نجد فيما ورد ان ثمة ما يكفي لتحجيم المساحة الابداعية التي ينبغي على السينمائي التحرك ضمنها ، فاذا ما توخى الدقة والصدق التاريخي فانه يقترب من مهمة المؤرخ في الوقت نفسه الذي يغتال فيه واحداً من أهم وابرز مظاهر السينما وهو شكلها ( الاستعراضي) ، وهذا ما يبعده عن مهمته الابداعية بوصفه فناناً على اعتبار ان الابداع هو عملية خلق حر جديدة ، وتأسيساً على ذلك تصبح عملية الخلق معناه ( ان هناك شيئاً جديداً لم يكن في وسع أحد التنبؤ به في اللحظة السابقة مباشرة ) وهذا يمنحنا تبعا لذلك قدرا من الحرية في العمل وفق قوانين خاصة بنا ، وصانع الفيلم هو صاحب خلق جديد وهذا الخلق يختلف بالضرورة عن الكتابة التاريخية كما وقعت بالفعل ، وتنبغي الاشارة الى ان اطلاق يد المخرج في التصرف بالمادة التاريخية لايعني السماح له أن يضلل المشاهد تاريخياً ، بمعنى انيسمح لنفسه أن ينسج أو يبدل وقائع تاريخية خطيرة ومهمة يعرفها المتلقي مسبقاً فيزيفها خدمة لموضوعه .
أن العمل الفني لايشكل مبرراً لتزييف الاحداث التاريخية بما يخل بما يعرفه المشاهد ، واذا كان صانع الفيلم غير مطالب بالخضوع كلياً لحقائق التاريخ فهو مطالب بعدم مناقضتها أو تجاهلها ، ونحن هنا مع اعطاء السينما أكبر قدر من الحرية في التعامل مع الحقيقة التاريخية الى الحد الذي يسمح بالابتكار أو خلق حقيقة فنية جديدة .

يقول جورج لوكاش ( أذا اريد للحقيقة أن تبقى وجب مزجها بأكاذيب ، فالحقيقة المطلقة لاتطاق وما من احد يملكها وهي ليست جديرة حتى بالكفاح في سبيلها ، انها غير انسانية وليست جديرة بان تعرف ) أذن فالحقيقة التاريخية في حاجة لان تعمل السينما فيها وتعيد صنعها بما يجعلها مقنعة ، مؤثرة ، جميلة ، اي بجعلها قريبة الى الصدق الفني الذي لايقل أهمية عن الصدق التاريخي ذاته . وأن مجافاة السينما للصدق الفني تشكل عيباً ، بل مأخذا اكبر من تقاطعها مع الصدق التاريخي إذ لو افتقر الفيلم الى اي طابع واثر فني وتجرد عن مظهره الاستعراضي المؤثر والمقنع فانه سيجافي الصدق حتى وأن التزم بالصدق التاريخي التزاما حرفياً ، وهنا نسجل أمكانية الانسجام بين الصدق التاريخي والتفرد الاستعراضي الشاعري للفيلم ، ان السينما تسعى دوماً الى التعامل مع أحداث التاريخ وشخصياته بتفاصيلها بحيث يصبح لهذا الحدث التاريخي بتفاصيله اثر في انفسنا نحن المشاهدين ، كما يصبح قهمنا للحدث التاريخي متداخلاً مع فهمنا لناحية من نواحي النفس البشرية ، هذا ما يفعله سبيلبرغ في ( الجندي رايان) و سكورسيزي في ( الملاح ) ومايكل مان في (علي) ، هؤلاء وغيرهم كان فهمهم للتاريخ مرتبطاً بفهمهم للنفس البشرية لأن التأريخ مجرد ، لايزودنا بالعنصر الانساني النفسي والانساني وهما المظهران اللذان نحن بأمس مايمكن اليهما في الدراما الفيلمية .
وحتى اذا ما استطاع الفيلم ان يوازن بدقة بين حقائق الواقع التاريخية وشخوصه وبين وبين تفسيرها وتأويلاته –أي صانع الفيلم – الفكرية والانسانية والفنية فانه سينجح عندئذ في تقديم الحقيقة الانسانية والفنية الى جانب الحقيقة التاريخية وتبقى الحقيقة الفنية الشاعرية هي الهدف الاسمى والاهم في العمل الفني .

شارك
المقال السابقسُخرية
المقال التالىأمثلة غزل الوهم

فراس عبد الجليل الشاروط مخرج من مواليد بغداد 1967*خريج كلية الفنون الجميلة/ بغداد 1996*ماجستير بالإخراج السينمائي عام 2002 عن رسالته (توظيف الوعي الايروتيكي في بنية الفلم الروائي ودلالاته السينمائية).*له تحت الطبع (سينمة النص القرآني).*له مخطوطة: (السينما العراقية: الذاكرة والتاريخ الـ (99) فلماً....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد