أربيل والرهان الطائفي

 

كانت الدولة الكوردية ولا تزال حلما لملايين الأكراد الذين كانوا ضحية مباشرة لاتفاقية سايكس بيكو والتي قطعت أوصال جغرافيتهم بين أربع دول وهو ما أسهم بتأجيج المشاعر القومية لدى عموم الكورد وبالتالي نجاحهم في ايجاد نوع من الروابط المعنوية كأفراد والتنظيمية أحيانا للأحزاب الكردية في العراق وسوريا وايران وتركيا.

ومن هنا كانت القومية هي الأيدولوجيا المناسبة للحراك السياسي الكوردي طوال العقود الماضية (حتى وان تلون بالطيف اليساري كحزب pkk في تركيا ) في مواجهة أنظمة قومية في الدول الأربع الحاوية للوجود الكوردي دون أن يكون للاسلاميين (العابرين للحدود والأعراق) تأثير كبير في مجتمع حالم بانشاء دولة قومية !

غير ان استفتاء الانفصال في كردستان العراق قد حمل في طياته تغييرات ملحوظة في الخطاب الكوردي الرسمي والشعبي حتى قبل حدوثه وبالتحديد في اللحظة التي علل فيها الرئيس البارزاني تصميمه على اجراء الاستفتاء (بوجود حكم طائفي والفشل بتأسيس دولة مدنية في بغداد !) ناسيا أو متناسيا بانه وحزبه البارتي كان جزء لا يتجزء من نظام المحاصصة الطائفية الذي ينتقده وان كردستان نفسها لا يحكمها نظام مدني بل محاصصة حزبية ذات خلفيات عشائرية وانتماءات مناطقية !

وبعد الاستفتاء مباشرة بشكل عام واستعادة الدولة الاتحادية للمناطق المتنازع عليها خصوصا سعت أربيل لتحويل خلافها السياسي مع بغداد لصراع طائفي (استجداءا لدعم اقليمي) ذلك الصراع المزعوم الذي تذكر فيه الأكراد فجأة سنيتهم بعد عقود من السبات المذهبي (والتي شهدت صراعات وصدامات كردية مع كل أنظمة الحكم في بغداد بدءا من فيصل الأول الهاشمي الحجازي وانتهاءا بصدام حسين المجيد التكريتي) ! وتحول فيه شيعة العراق حلفاءهم التاريخيين لمجوس وروافض وفرس فيما غدا الجيش العراقي والذي ساهم الجنرال الكوردي بابكر زيباري في بناءه واعادة تنظيمه بعد العام 2003 ل (جيش صفوي) ! وتحول البرلمان الاتحادي الذي تشكل الكتلة الكوردية فيه ثاني أكبر كتلة برلمانية فيه والحائزة لمنصب النائب الثاني لرئيسه ل (برلمان ايراني) ! بل وصل الأمر للدعوة للتحالف العلني بين أحفاد صلاح الدين والفاروق والذي يرابط سيفه في شوارع كركوك لتقطيع أجساد المجوس وان العراق بات دولة محتلة لكوردستان والتي لا نعلم متى قد أصبحت دولة مستقلة ليحتلها الأخرون ؟! في تناقض واضح مع الادعاءات الكوردية بان الاستفتاء هو مجرد ممارسة لحرية التعبير دون أن يعني انفصالا مباشرا عن الوطن الأم .

ان هذا التحول المفاجئ في الخطاب الكوردي لم يكن عفويا ولا وليد الصدفة بل كان مخطط له بعناية بمرحلة مبكرة فازاء الرفض الاقليمي والدولي لهذا الاستفتاء كان لزاما على أربيل البحث عن داعمين مباشرين لخطواتها الانفصالية غير اسرائيل ولعل الورقة الطائفية هي الأكثر تأثيرا في شرق أوسط مشتعل بالصراعات الطائفية

مستخدمة في سبيل ذلك بعض الجحوش السيئة الصيت والتي رفعت شعارات (قادمون يابغداد) و (ثوار العشائر) سابقا والتي وجدت في الاستفتاء فرصة تاريخية لاعادة احياء مشروع الاقليم السني والذي أسهم سقوط دولة الخلافة على أيدي القوات العراقية بوأده مبكرا !

وبالعودة لايران والتي اتهمها حزب البارتي بقيادة حرسها الثوري للقطعات العراقية في كركوك رغم النفي الأمريكي لذلك فأن هذا التصعيد الاعلامي الكوردي تجاهها كان يمكن أن يكون مقبولا لو صدر من جهة عربية سنية لا كوردية والتي ستكون مطالبة قبل ذلك بالاجابة عن ماهية ايران التي ينتقدها البارزانيون اليوم ؟ هل هي ايران التي جعلها الزعيم الكوردي التاريخي الملا مصطفى البارزاني (ذي الأصول الايرانية ووالد السيد مسعود) فاعلا أساسيا في المشهد السياسي العراقي عندما كانت داعما رئيسيا في كل تمرد مسلح له على الدولة العراقية منذ ستينات القرن الماضي والتي تسبب سحب دعمها له في انهيار الحركة الكوردية عقب توقيع اتفاق الجزائر عام 1975 مع بغداد ، أم هي ايران التي وصفها الرئيس البارزاني نفسه ومنذ فترة وجيزة بانه لولاها لسقطت أربيل بيد داعش ، أم لعلها ايران ذات النفوذ الكبير في الاقليم وصاحبة العلاقات الاستراتيجية القديمة مع قوى كردية تقليدية كحزب الاتحاد الوطني الكردستاني والتأثير الواضح على قوى صاعدة كحركة كوران (التغيير) !

ان القول بعدم وجود تأثير ايراني على قرارات بغداد يعد مخالفة للمنطق ولا ينكر أحد وجود نفوذ ايراني قوي في العراق بشكل بات يشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي العراقي وانتهاكا أحيانا للسيادة العراقية غير ان ذلك لا يمكن أن يجعل من ايران الحجة الجاهزة والمبرر المناسب لشرعنة أية هجمات ارهابية أو مؤامرات انفصالية في هذه البلاد لغرض الخلاص من نظام المحاصصة القائم في بغداد من قبل المساهمين بانشاءه (كماهو الحال مع الكورد) والذي لا يمكن الدفاع عن مساوئه بأي حال من الأحوال غير ان عملية ايجاد بديل مناسب له ومواجهة النفوذ الايراني ( ان صدقت النوايا ! ) لا يتم عبر اثارة الأزمات السياسية أو افتعال صدامات مسلحة طالما أجادت طهران التعامل معا وادارة دفتها لصالحها بل ان السلام والاستقرار والتنمية هي ماتوجد البيئة السياسية والاجتماعية الملائمة لتحجيم النفوذ الايراني في العراق ولخروج العراق من كبوة طال أمدها !

لم يكن توقيت الاستفتاء خاطئا فحسب للسيد البارزاني بل أيضا توقيت تصعيد النبرة الطائفية في الخطاب الكوردي والذي لم ينتج أثره سواء أكان داخليا لدى المكون العربي السني في العراق أكثر المكونات تأثرا بالطائفية التي فتحت للارهاب بابا تسبب بتدمير المدن السنية وتشريد أهلها وبمساهمة من أبواق مأجورة ودعاة للكراهية ممن تستضيفهم أربيل اليوم ، وهم (أي عوام السنة) ليسوا في الوقت الحالي بصدد خوض مغامرات طائفية جديدة نيابة عن مسعود وحزبه بالاضافة لعدم ثقة الكثير منهم بالكورد شركاء الشيعة

بتأسيس العراق الجديد الذي عانى فيه السنة كثيرا وهم لايزالون يحاولون الاندماج به وفتح صفحة جديدة فيه عقب نهاية عصابات البغدادي .

أو خارجيا والتي فاجئت به تركيا السيد البارزاني بتقديمها لأمنها القومي (المهدد أصلا بكيان كوردي في شمال شرق سوريا) على الاستفادة الاقتصادية من اقليم كردستان العراق فيما نجح توجه حكومة العبادي الانفتاحي نحو الدول العربية باحتواء دول مؤثرة في المنطقة كالسعودية ومصر .

ان اللعب على الوتر الطائفي هي ورقة سرعان ماتحرق اللاعب بها وهي الحقيقة ( لها شواهد عديدة في العراق وسوريا واليمن) التي لم تستوعبها قوى كثيرة في المنطقة ، ولعل المهم حقا هي ان الطائفية باتت نقطة الضعف الأساسية في الجسد العراقي والتي غالبا مايبني الخارج أجنداته الخاصة بالعراق على أساسها فيما تسعى قوى داخلية لاستغلالها لتحقيق أهداف فئوية ومصالح شخصية ولعل أخرها هي حكومة الاقليم والتي سعت للعب بالورقة الطائفية في محاولة منها لاضعاف موقف الحكومة الاتحادية عبر شغلها بصراعات جانبية وهو مايستدعي معالجات حقيقية وعاجلة لهذا الملف غير ان الأهم حقا هو ادراك السيد مسعود وزمرته الانفصالية بأن الطريق الى الدولة الكوردية لا يمكن أن يمر من خلال اثارة الفتنة الطائفية بين باقي المكونات العراقية .

لا تعليقات

اترك رد