من قتل الله ؟


 

لم يكن الانسان الأول اقل ذكائا من الإنسان المعاصر، لا بل ان بعض الدراسات العلمية تثبت بأن الإنسان البدائي كان اذكى من الانسان المعاصر، و ذلك لصعوبة الحياة و متطلباتها.
التفكير هنا هو ذلك العامل الفاصل الذي رفع الإنسان و اجلسه على عرش الطبيعة من غير منازع.
فهذا الفكر اعطاه الادوات المتعددة. و من جملة تلك الأدوات هي الدين و الذي هو عبارة عن عقيدة و قوانين و طقوس تكون منظومة فكرية متكاملة يمكن للانسان على اساسها عيش حياته الدنيا و ايضا تجيب له عن الأسئلة الوجودية التي كانت و ستظل مهمة إلى نهاية الدهر.
من اين جئنا؟ إلى اين ذاهبين؟ ما معنى الحياة؟
هذه جملة من الأسئلة الوجودية التي يحتاج الإنسان في كل الأوقات الاجابة عليها.
و هنا جاء الدين ليعطي الإنسان اجوبة عن أسئلته، و لذا فإن من الطبيعي أن يكون الانسان مؤمن.

لاحظوا هنا أن هذه النزعة الإيمانية موجودة عند الإنسان بشكل جذري. ففي البداية كانت الصنمية تؤدي دورها تجاه حاجة الإنسان الإيمانية. مع مرور الوقت، اصبح الانسان اكثر تعقيدا و تفصيلا في حاجته الإيمانية و لذا اتجه إلى التوحيد و فكرة الغيبية و الإله الخارج عن حدود الحس و القياس.
ولكن الدين لا يأتي بشكل مجرد، و انما رجال الدين هم من يحملون معهم الافكار الدينية، فمن دونهم تظيع التعاليم الدينية في طي النسيان.
اذا هنا لدينا إنسان له حاجة إيمانية، فكرة دينية و اخيرا رجل الدين الذي هو الوسيط بين الزبون (المؤمن) و البضاعة (الدين).
و على هذا الأساس فإن رجال الدين ما انفكوا من الاستنفاع من هذه الحاجة، اما عن طريق الاقتصاد المباشر (اخذ المال من المؤمن لكي يصلي له رجل الدين) أو عن طريق الولوج بالسياسة.

طبعا هناك منغص في هذه العملية التجارية، الا و هو العالم، فالعالم هنا ليس له دافع حقيقي لتخريب التجارة الدينية، و انما ما يفعله العالم هو وضع نظريات تصف الحقيقة بشكل دقيق من ما يجعل الفكرة الدنية من غير جدوى و ذلك يؤدي الى ان الحاجة لرجل الدين (بافكاره الدينية) تقل و تضمر.

نعم الإنسان يحتاج إلى الإيمان، لكن الحمل الثقيل لرجال الدين صار اثقل من ان يتحمله الإنسان. و لذا فقد بدأ الإنسان بالتخلي عن حاجته الإيمانية فقط للتخلص من عبئ رجال الدين.

واحدة من اكثر المقولات الشهيرة للمفكر الألماني فريدريك نيشه كانت “…نحن من قتلنا الله…” و كان ينوه بذلك للتحرر من الحاجة إلى الإله في كل نواحي الحياة السياسية و الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية و العقائدية.
لعله كان حاد بتعبيره و لكنه كان يصف وضع العالم الغربي الذي وصل الى ذروة التحرر من قيود العصور المظلمة و تسلط الكنيسة.
نعم في الغرب، قتل الإنسان فكرة الإله و ذلك لكي يتربع هو على عرش الكون و يكون سيد نفسه. و من هنا بدأ الإنسان الغربي بالتقدم و اكتساح العالم الذي لم يزل بعد يرزخ تحت ثقل الإيمان.

و ظل العالم الثالث يتأرجح ما بين الحداثة و السلفية. فتارة ترى حركات تقدمية و فجأة تظهر حركات رجعية.
و نحن كعرب من جملة دول و شعوب العالم الثالث. فتارة كنا اشتراكيين، من ثم قوميين و من ثم اسلاميين.
و في كل مرة نتحول من نمط الى آخر، يتم ذلك عن طريق “قتل” إله النمط الخاسر.
و هذا الصراع يتم على الحلبة السياسية و الاقتصادية فقط. فخارج السياسة و الاقتصاد، لا يكون هناك صراع على الأفكار و الآلهة، فكم هناك من اديان مزدهرة في على المستوى الفكري العقائدي من دون المساس بها.

عندما يقحم إله معين إلى الحلبة السياسية و الاقتصادية، فسوف يتحول من فكرة عليا إلى متنافس يخضع عليه قوانين الصراع كما يخضع على النمط او التيار الحامل لتلك الفكرة.

فعلى سبيل المثال، داعش كفكرة سياسية قامت على استخدام العنف المدعم بالدين لنشر الرعب و الذي بدوره يتحول إلى قدرة عسكرية و سياسية. و طالما كانت داعش منتصرة عسكريا، لم يستطع احد داخل مناطق سيطرتها على مجابهتها أو الكفر بإله داعش، و لكن مع خسارة داعش عسكريا، اغرق الفشل ليس فقط داعش و إنما إله داعش في نفس الوقت.

ان رجال الدين هم من يقتل الله عن طريق إستخدام الله في السياسة. و هنا لا يتم “القتل” بشكل درامي، و إنما القتل هو ان فكرة “الله” لا تعود موجودة في داخل فكر الأفراد و انما تفرض عليه بالجبر، فيكون حينها مرغم لا مختار و لا يتردد حينها بالكفر بتلك الفكرة المفروضة عليه.

ما اود ان أقوله في هذا المقال، هو أن الله فكرة عليا فلسفية و وجودية تستحق ان تأخذ مكانها الطبيعي في فكر كل فرد. و تستحق أن تناقش و ان تدرس و ان تأثر على المفاهيم البشرية الاخلاقية و الفكرية. و هذه الفكرة لا تقتل.

فليحيا الله في قلوبنا و افكارنا، و ليكن طريقنا اليه، طريق الحق و الخير و الجمال.

لا تعليقات

اترك رد