القصيمي

 

قال انسي الحاج “اقرأو القصيمي، لا تقرأو الآن إلا القصيمي. يا ما حلمنا أن نكتب بهذه الشجاعة، يا ما هربنا من قول ما يقول، يا ما روضنا أنفسنا على النفاق وتكيفنا وحطمنا في أنفسنا الحقيقة، لكي نتقي شر جزء مما لم يحاول القصيمي أن يتقي شر قوله في كتبه”.

إن العقل المحتج هو العقل الذي ينتج أفكاره ، بينما العقل الخامل هو العقل الذي يتقهقر الي الوراء ويعيش في الجهل والتخلف.

خلال الفترة من 1907-1996 عاش أكثر المفكرين إثارة للجدل والشك والإتهام بسبب تحولاته الفكرية والدينية بصورة ظلت متباينة حتى اليوم، وبسبب كتبه الدينية أولا والمدافعة عن الدين والسلفية مثل “البروق النجدية” وكتاب “الصراع بين الإسلام والوثنية” الذي أصدر منه جزئين ولم يستكمل الثالث كما كان يرغب نظرا لبداية تحولاته الي نقد الدين ، الي الكتب التى تم اعتبارها داعية الي الإلحاد وهدم ثوابت الدين والتراث. انه المفكر السعودي عبدالله القصيمي النجدي الذي نشأ في ظروف سيئة للغاية، الأمر الذي جعله يغادر قريته وهو في سن العاشرة بحثا عن حياة أفضل أنتقل فيها الي عدة مدن عربية حتى استقر في القاهرة وتوفى بها هناك بمرض السرطان. وقد كانت حياة المفكر العظيم حافلة بالمطبات والملاحقات ومحاولات الاغتيال وخصوصا بعد تحوله الي الفكر الإلحادي وانقلابه على الفكر الإسلامي وإصداره لكتب “هذه هي الأغلال”، و”يكذبون كي يروا الله جميلا”، وكتابه الرائع “العرب ظاهرة صوتية”. ولعل أشهر حادثة اغتيال فاشلة تمت للقصيمي كانت في القاهرة في مقهى يعتاد القصيمي التواجد فيه، حيث ألقي القبض على شخص أطلق عيار ناري لم يصبه، وعندما قبضوا على القاتل سأله القصيمي لماذا تحاول قتلي يا بني؟ أجابه القاتل: لأنك كافر وملحد والعلماء أفتوا بجواز إهدار دمك.!!

ورغم أن اتهامه بالإلحاد ايضا لم يتفق عليه الجميع، فقد ردد البعض ان القصيمي عاد الي الإسلام أواخر حياته، وعكف على قراءة القرآن بشكل متواصل. كما أكدت مجلة إيلاف من خلال لقاؤها مع السيدة آمال عثمان المسؤولة الادارية عن قسم كبار السن في مستشفى فلسطين الذي كان يتعالج فيه القصيمي حتى توفى، قولها بأن القصيمي قال لها “ان الله يراقبنا من فوق، فعلينا أن نطهر قلوبنا من الحقد والحسد”. إلا أن صديقه الذي رافقه الي لحظة وفاته المحامي ابراهيم عبدالرحمن نفى عودته الي الإسلام في كتابه “خمسون عاما مع عبدالله القصيمي” واعتبر الأحاديث حول قراءته للقرآن مجرد كذبة جميلة تستهوى فكرة التائب العائد، ومؤكدا أنه مات على فكره الذي عرف عنه. وهو ما يشير الي ان المفكر القصيمي قد حسم خياراته واستقر على مبادئه وفلسفته الفكرية.

اليوم ،، لا يكاد يخلو منزل أو مجتمع عربي من بعض أو كل كتب المفكر والفيلسوف عبدالله القصيمي ، رغم منعها وتجريمها. فقد كان عبدالله القصيمي ذلك الثائر على التقليد والخرافة والوهم .. عبدالله القصيمي سيرة تاريخية لم تحظى بالكثير من الدراسة والتفكير والتحليل خوفا من ان يشيد البعض بفيلسوف مسلم انتقل الي الإلحاد، وابتعاد البعض من تهمة الدفاع عن مرتد وكافر، ونظرا لما تناوله في كتبه من تهديم أساسي في أفكار الثوابت واليقينيات والمسلمات الدينية عبر رحلته من الايمان الي الإلحاد الفلسفي، وخصوصا بعدما تم اعتباره خارجا عن الملة وزنديقا كبيرا ومحاربا للدين وملاحقه وأتباعه. وكنتيجة لذلك شرد وطرد وانتقل من بلد الي بلد حتى مات منفيا وحيدا. لكنه اليوم أصبح شمعة مضيئة في عالم يمتلئ بالظلامية والتعصب والقتل على الهوية الاسلامية، بل وتكاد تكون أقواله وعباراته وكتبه بمثابة الوحي الفلسفي لغالبية المثقفين والباحثين عن الحقيقة والمتعطشين لقراءة الواقع بعقل محايد وتجربة ثرية خرجت من أرض السعودية معقل التطرف والتعصب آنذاك الي رحاب العقلانية والتنوير والمعرفة.

لقد قدم القصيمي العديد من الكتب، سواء بمرحلته الإيمانية أو بعد انعتاقه من الدين، وكان في كل مرحلة مقتدرا وقادرا على تقديم الحجج والبراهين والأدلة ولجم خصومه وأعداءه، حتى ذكر صلاح المنجد بعد أن رد القصيمي على الكاتب الشيعي السوري محسن العاملي في كتابه “الصراع بين الإسلام والوثنية” أن بعض أهل العلم قالوا للملك عبدالعزيز “لقد دفع القصيمي مهر الجنة بكتابه هذا”.

وهكذا استمر القصيمي في بدايات حياته واطلاعاته منافحا عن الدين ومدافعا عن السلفية والدعوة الوهابية حتى ذاع صيته بين العلماء ونزل منزلة عظيمة بينهم وانتشر أسمه كعالم وشيخ جليل قد درس في الأزهر ليكون أحد صناديد اهل السنة والجماعة لمواجهة أهل الباطل والشيطان كما كان يتأمل الكثير وخصوصا بعد أن أصدر كتابه “مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها” وهو كتاب يرد فيه القصيمي على الفكر الإلحادي ويبين فيه ان لا تناقض بين الأحاديث النبوية والعلم الحديث.

وقد كان كتاب “كيف ضل المسلمون” النقطة الفاصلة والمعبر الي التأملات الفلسفية الإلحادية في عقل القصيمي، فذكر في كتابه العديد من التساؤلات المنطقية في أحوال المسلمين وعناصر الضعف والمهانة التى طالتهم وفشل تقدمهم بسبب ثقافتهم وأفكارهم وموروثاتهم. ثم انتقل بعد هذا الكتاب الي التصريح الشديد بالإلحاد وموقفه الرافض للسلطة الدينية والإلهية، فلم يتوان القصيمي لحظة واحدة في الإنصياع لنداء عقله، وكانت له الشجاعة الكافية للثورة على ما كان يراه صحيحا بعد أن درسه واكتشف ضعفه ومعوقاته، في حين أن غيره من المفكرين والمثقفين ظلوا جبناء وأسرى الخوف من النقد والشك الحقيقين، وقد طالته الإتهامات والتهميش والإزدراء بسبب قوة وجسارة رأيه من بعض المثقفين العرب مثل أدونيس الذي رأى في القصيمي مجرد صارخ. كما لم يرى حسين مروة في القصيمي سوى ذلك الرجل المريض. وطرابيشي الذي حلل عقلية القصيمي بانها حالة تعبر عن الكراهية الأبوية. والتزم محمد اركون ومالك شبل وغيرهم ممن عاصروه بالصمت التام وعدم الإشاره الي فكره وفلسفته، وهو ما يعني خوف هؤلاء من الإشادة بمفكر

وفيلسوف عرى التراث الإسلامي بينما البقية استكانوا للغوغاء ورضخوا للخوف وتجميل القبيح.

لقد اعتبر المفكر العظيم أن السبب الأقوى في جمود العقل العربي هو في خضوعه الصبياني الي مقولات الفكر الإسلامي وفقهائه في الماضي والحاضر، وداعيا بالوقت نفسه الي التمسك بالعلم والعقل والمعارف الحديثة باعتبارهما الأنسب في بناء مجتمعات وذوات سليمة بعيدة عن التعصب والعنصرية التى يصنعها التراث الإسلامي. فالإنسان يعصي ولهذا يصنع الحضارات كما قال في عنوان أحد كتبه.

ومهما تعددت الرؤى حول المفكر القصيمي، إلا أنه يبقى مفكرا عقلانيا حداثيا سبق أجيال عديدة وقام بدوره الثقافي والفكري بنزاهة وشجاعة لا مثيل لهما. ويبقى ما تركه لنا من مؤلفات هو الأهم والأصلح في فهم العقل المسلم وتركيبته الايديولوجية، فالقصيمي هو الوحيد الذي زعزع وبقوة المنظومة الدينية المستحكمة في مجتمعاتنا. فقد كانت كلماته وأقواله، ليست فقط ثورية وهادمة، بل أيضا أدبية ومن أعمق وأجمل الشذرات والحكم والمعاني.

إن أفكار وكتب وسيرة المفكر والفيلسوف القصيمي يجب أن تدرس في المدارس والجامعات، فإن كانت مواقف السلطة الدينية ورجال الدين منه مواقف بديهية وطبيعية، إلا أن من الجرم التقليل من قيمته الفكرية والأدبية والإنسانية، ومن نكران المعروف أن نتجاهل سيرته وتراثه الفكري في خلق العقل المتسائل، ومن الجهل أن يظل منزويا في الإعلام والفضائيات، ومن الظلم أن نقرن دراساته ومجالات تفكيره بالإلحاد فقط، وننسى أن العقل الإنساني عقل تراكمي مقارن ذو خبرات متعددة ومهارات مختلفة، علينا أن نستفيد منها جميعا، وإلا أصبحنا نعيش في الأغلال التى حذرنا منها مرارا وتكرارا.

لا تعليقات

اترك رد