بغداد حبيبتي التي شاخت


 

اقلعت بنا الطائرة من مطار بغداد عام 1975 وقال لنا الطيار ” كي تعودوا بشوق لها ساحلق فوق ابو نؤاس “، وكانه كان يعلم بعشقي لشارع ابي نؤاس . وكان الوقت فجرا . لوحة خالدة من اضواء تتكسر على دجله، تطعمها ذاكرتي بعبق رائحة سمك المزكوف والتكله وقنينه بيرة فريده، تلك التي كانت اسطورة زمانها في الانتعاش. ومن الشرق كان قرص الشمس يزاحم الاضواء و يطاردها فتسجد لها تتابعا.

وعدت، رغم اني حلفت ان لا اعود. وبحثت عن مطابقة للصورة التي في ذاكرتي لبغداد وابو نؤاس فلم اجد فاحسست بالغربة . صورة هنا رمز هناك، لوحة ساحة التحرير التي بدات تهرم هي ايضا واصبحت مرتع للمتبولين نهارا وليلا فتطغي رائحة اليوريا على لوحة شموخ التاريخ لجواد سليم. قامتها ترتفع عاليا عاليا فوق رؤوسنا ليس لديكم الا انا فحاضركم ………

حين ذلك ادركت، ان بغداد، حبيبتي شاخت ليس للتابع الزمن عليها فهولاكو لم يهزمها ولم ترضخ لمحاولاته لاغتصابها لاربع سنوات. ولكنها، ويا للاسف شاخت لسوء معاملة الطارئين عليها.

تفنن البغادله في حدائقهم، فلا حديقة بلا راسقي وشجرة الجهنمية والثيل الاخضر والعصرونيه مع الشاي وكعك السيد وصحبة

الجيران والاصدقاء وتسمع باستمرار من ينادي ” تفضلوا حماتكم تحبكم “.

تتعطر اماسي بغداد بعبق الراسقي وضكات الصبايا، فوئد الطارئون ذلك العبق، فرائحة اليوريا تخنق الانفاس ولم تعد لضحكات الصبايا من اثر، فطقطقت السلاح تعلوا في كل مكان، حتى الزغاريد في الافراح خنقت ليحل محلها صوت الرصاص يلعلع مذكرا بالخشونة الريفية، ولا تشاهد شابا يحمل كتاب شعر تفاخرا وكي يقتبس منه ابيات لحبيبته بل مسدس على الخاصره بارز بشكل متباهي.

ان كنت تحسس بالملل فتمشى في شارع السعدون فستجد فلما او مسرحية واعداد من حسان بغداد تجمل روحك وعينيك. شارع السعدون اليوم خرابه اجساد ملقات هنا او هناك مخمورة او “مكبسله”، والعديد من الحفر على الارصفة لتعين حدود مملكة الجرذان .

عربات يجرها الحمير لبيع قناني الغاز تخلف روث الحيوانات في كل مكان تتحول الى مستعمرة للذباب تساهم بفاعلية في القضاء على الراسقس ان تبقى منه شيئ، فالعديد من الحدائق البغدادية حولت لزراعة الفجل والكراث والبصل او بني عليها منزل بواجة 5 متر.

حين شاخت بغداد لم يعد مهما ان كنت متعلما او مثقفا بل الاهم تلفون جلكسي او اي فون مع دشداشه ونعال ابو اصبع وصريخ في الشارع ” شلونك ابو فلان”، وقاموس من مفردات البذئة.

تمر رغما عنك سيارة المسئول مضللة بالسواد لتعلن موت الروح، بزجاج شبه مغلق ليسمح لفوهات الموت ان تعلن عن وجودها المتباهي بجلافة.

دور الدعارة في بغداد لم تعد بحاجة الى قوادين لحراستها فهناك فصائل مسلحة تقوم بذلك مقابل ريع شهري وليس عموله على كل عاهره.

حبيبتي بغداد عودي صبيه، فانا ما زلت اعشقك كما في ذاكرتي وليس واقعك اليوم ………….

لا تعليقات

اترك رد