سَقطة في جُب


 

تنهدَ الوطن الساكن في صدري لحظة قراري أن أزورَ أهلي في حِجة؛ يأخذنُي الحنين على جناحيه مِن صنعاء إلى مسقط رأسي. آخر خطاب مِن أخي يخبرني أنَ أمي لا زالت مريضة؛ دراسة طب الأسنان لم تحقق أملي في مداواة كل مريض، بل زادت البين عن الأحباب. الطريقُ الطويل يقطعُ الصحراء بنصلِ الأمل في إطفاء ظمأ أمي بالنظرِ إلى وجهي مخافة أن يغيبَ عن مقلتيها في لحظة مباغتة من مَلكِ الموت؛ أصبح ضيفا ثقيلا على كل بيتٍ في اليمن منذ فترة الإنقسام. الرمالُتتراقص أمام عيني تحت أشعة الشمس راسمة على شفتيها بسمة شوق، لم تُمهلني قافلة هادمة للملذات أن ينطلقَ حُلمي ويحط على مرفأِ التحقيق؛ أَنزلوني مِن السيارة لأجد نفسي في حجرة مظلمة، ماذا فعلت كي يُسحل جلدي ويدقُ عظمي وأشم رائحة شواء لحمي حين تمر الكهرباء فوق جسدي الشاكي مظلمته إلى الله بصوتٍ يشبه مناجاة يوسف. متى سأخرج أو ….أموت؟ وأين أنت يا يوسف لتأول واقعي؟ أسئلة لم أجد لها إجابات. أتشبثُ بقطعة أملٍ طافية على قلبي في أن أعودَ لأمي حتى لو زحفت على أضلع صدري. يمر الوقت دون أن تدق الساعة الرملية لتخبرني كم من الوقت مكثت في هذه الحجرة؛ أسمعُ صرخات الوافدين الجدد مِن وراء الحيطان، سينفونية ألم تنطلق من نايات ينقصها بضع فتحات للهواء كي يكون اللحن شجيا؛ فتمتنع الرمال عن التدحرج في قنينة الساعة إحتجاجا. وكما دخلت في كهوف مظلمة لم يخبرني أحد هل مكثت فيها عدد سنين أهل الكهف وأنا باسط يدي بالوصيد،خرجتُ إلى نور تعجز عيني على النظر فيه أتنفس الصعداء وأستجدي الأكسجين من الهواء؛ لأركب صهوة قدماي مسرعاإلى البيت؛ أبحث عنها، أنادي عليها؛ يجيبني صدى صوتي، ونعيق غراب.

لا تعليقات

اترك رد