البارزاني .. خطأ التوقعات اضاع حلم الدولة

 

السيد مسعود البارزاني لم يقرأ ربما معطيات الواقع العراقي بصورة متمعنة وأكثر واقعية عند اصراره على المضي بمشروع الانفصال عن بغداد ، تلك المعطيات التي أفرزتها سنين الحرب على داعش والتي أوجدت معادلات ومتغيرات جديدة تناقض سابقاتها التي تبلورت على مدى الفترة الممتدة من ٢٠٠٣ وحتى العاشر من حزيران ٢٠١٤ حين سقوط الموصل . وهنا لابد لنا من مقارنة مقتضبة توجز لنا نوع التبدل بين الفترتين .
من الناحية السياسية كان البلد يشهد انقساما حادا بين السنة والشيعة وسوء إدارة للازمات السياسية وصلت حد التخوين ومحاولة تصفية الخصوم وإسقاطهم سياسيا وفِي خضم تلك المعركة المحتدمة كان كلا من السنة والشيعة يحاول ان يستميل الاكراد الى جانبه حتى وان كان هذا الامر عن طريق تقديم مزيد من التنازلات ، ولعل هذا ما شجع البارزاني في المرحلة اللاحقة على الإصرار بالمضي في مشاريعه الانفصالية . لاحقا تطور الانقسام ليشمل الاكراد اثر الخلافات بين رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والبارزاني حول تصدير نفط الإقليم وحصته من الموازنة العامة وفشل المالكي في إيجاد حلول للمشاكل المتفاقمة جراء خصوماته السياسية التي طالت حتى حلفائه من الشيعة .
اما عسكريا فقد كان الفساد ينهش جسد المؤسسة العسكرية التي غلبت عليها المحسوبية وغابت عنها الكفاءة والمهنية ، في ظل اوضاع أمنية مزرية وحالة من فقدان السيطرة على الكثير من مناطق البلاد التي كانت تنتشر فيها الجماعات الإرهابية . الدعم الدولي كان هو الاخر غائبا بعد ٢٠١٠ اثر انسحاب القوات الأميركية ، والعلاقات مع الدول العربية كانت تسودها شبه قطيعة تامة وتعتريها اجواء من التوتر السياسي والطائفي التي تغذيها سياسات تصعيدية من كلا الجانبين .
ظروف الحرب غيرت من ملامح تلك الصورة المزرية ، فالبلاد كانت على شفير الهاوية بعد احتلال داعش للموصل واجزاء واسعة من محافظات غربي البلاد ، ووصلت طلائع الجماعات الإرهابية الى تخوم العاصمة بغداد وهنا كانت نقطة التحول التي بدأت تتصاعد تدريجيا . السياسيون رغم تناحرهم والشيعة منهم على وجه الخصوص اتفقوا على استبدال المالكي ووجوه ادارته السيئة ليحل العبادي مكانه ويتسلم إرثا ثقيلا من هزائم عسكرية وتفكك سياسي وازمة اقتصادية خانقة فضلا عن ملايين النازحين من المناطق التي سيطر عليها داعش .
مرحلة العبادي رغم صعوبتها غيرت من ملامح فترة سابقة ، حيث أوجدت الحرب وعمليات التحرير حالة من التلاحم الشعبي أسهمت في رأب صدع الانقسامات الداخلية بعد ان سأم العراقيون من الاستماع لنغمة الطائفية المملة التي فرقت شملهم سابقا . القوات الأمنية أعيدت هيكلتها لتصبح قوة فاعلة في مواجهة داعش وحضيت بدعم دولي من حيث التدريب والتسليح . حالة الوحدة التي بلورها العراقيون شجعت المجتمع الدولي على توفير سبل الدعم لها وإدامتها في مواجهة خطر تمدد داعش وتداعياته الخطيرة على المنطقة .
العبادي وطريقة تعامله مع القضايا الداخلية والخارجية أكسبته ثقة الشارع العراقي خصوصا في المناطق السنية التي وجدت فيه محل ثقة بعد تجربة سيئة لها مع المالكي . حرص العبادي على تحرير تلك المناطق من قبضة داعش عزز في ذهن العالم ايضا صورة القائد الساعي الى تخليص بلاده من افة الارهاب والسير بها الى حيث يحفظ أمنها وتماسك مكوناتها ليدرأ عنهم خطر التفرق والشتات ، ما جعل منه شريكا جديرا بالثقة .
جميع تلك المعطيات ربما غابت عن ذهن البارزاني او لم يحسّن قراءتها عندما اتخذ قراره بالمضي بإجراء استفتاء الانفصال والاصرار على تجاهل رفض بغداد والمجتمع الدولي . البارزاني لم يقرأ بشكل واقعي ايضا حالة الانقسام السياسي داخل اقليم كردستان واعتمد على سياسة فرض الامر الواقع التي لا تمتلك ارضية صلبة وحاول اعلان دولة دون النظر الى توفر المقومات التي تكفل بقاءها وديمومتها .
الاكراد أنفسهم كانوا منقسمين ازاء رغبة البارزاني وبعضهم كان رافضا لدكتاتورية الفرد والعائلة التي مثلها في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالإقليم . البارزاني تجاهل كذلك العامل الإقليمي وراهن على تبدل المواقف الدولية اذا ما اصر على موقفه غير أخذ بالاعتبار تنامي القدرات العسكرية لبغداد ومدى المقبولية التي باتت تحظى بها عربيا ودوليا فكان كمن يلقي بنفسه الى المجهول غير آبه بالعواقب .

لا تعليقات

اترك رد