الاستفتاء .. وماذا بعد ؟


 

تمرُّ البلاد خلال الأيام الحالية بمنعطفات خطيرة جاءت نتاجاً للاستفتاء الذي قامت به حكومة إقليم كردستان من طرفٍ واحد ودون سندٍ في الدستور الذي ساهموا في صياغته ، وهو ما يشكل خطوة برزانية للهروب إلى الأمام . فهو رئيس لإقليم انتهت ولايته منذ مدة ويعاني من مشاكل داخل البيت الكردي نفسه ، وقد اتخذ هذه الخطوة لترحيل الأزمات السياسية التي يعاني منها الإقليم وإشغال الفرد الكردي بفكرة محاولة تحقيق الحلم القومي بتشكيل دولة كردستان الكبرى التي لا تقتصر على المحافظات العراقية الكردية الثلاث من جهة وإنما تمتد إلى مناطق عراقية خارج الإقليم ناهيك عن المحافظات الكردية في الدول المجاورة مثل إيران وتركيا وسوريا .
خطوة برزاني باستثمار رغبة الشعب الكردي بالاستقلال لم تكن موفقة حتى عندما قام باستغلال حادثة تشييع الرئيس السابق جلال طالباني ومحاولة تسويق القضية بأنها كردية بحتة حينما نُقِلَ نعشه من ألمانيا إلى السليمانية وليس إلى بغداد ملفوفاً بالعلم الكردي وكأنه لم يكن يوماً ما رئيساً لبلدٍ إسمهُ العراق لدورتين انتخابيتين لمدة ثماني سنوات .
البيت الكردي يعاني من انقسامات حادة حول السلطة واستغلال الثروات وتوزيع المناصب .. هذه الانقسامات ظهرت في وقتٍ مبكر حينما قام برزاني بتعطيل عمل برلمان كردستان ومنع رئيسه الذي ينتمي إلى حركة التغيير ( گوران ) من دخول أربيل كلها عند مجيئه من السليمانية .
ولم تتوقف الانقسامات إلى هذا الحد بل إن بوادر انقسامٍ جديد ظهرت داخل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني هذه المرة خلّفهُ غياب الطالباني أثناء مرضه وبعد وفاته ، فهناك فصيل قيادي في الاتحاد يميل إلى التشدد وينساق الى حدٍ بعيد وراء خطوات برزاني ، الأمر الذي يرفضه فصيلٌ آخر من قياديي هذا الحزب الذين يميلون الى الاعتدال واللجوء الى لغة الحوار وعدم التعنت ومنهم بافل الطالباني وآلا الطالباني . وقد جاءت تصريحات آلاء الطالباني صريحة بعدم استعدادهم تقديم التضحيات في سبيل أن يذهب نفط كركوك إلى عائلة برزاني في وقتٍ يعيش الشعب الكردي حالة من البؤس والفقر . وهذه التصريحات عززت بتصريحات القيادي برهم صالح بقوله ان الإقليم يعاني من تفشّي الفساد الإداري واستئثار حزبٍ معين وعائلة معينة بخيرات الإقليم في إشارةٍ واضحة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني وأبناءه وأقاربه .
الخطاب الذي ألقاه مؤخراً (رئيس جمهوريةالعراق) غلبت عليه العقلانية والدعوة إلى الحوار بين الإقليم والحكومة الاتحادية لكنه برأيي جاء متأخراً جداً فالرئيس الكردي الذي أتى به التوافق و المحاصصة من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لم يكن له دور واضح قبل وبعد الاستفتاء بقليل حتى ان ابنته التي تعمل مستشارة له دعمت الاستفتاء بقوة ، إلا أن خطاب الرئيس الأخير الذي بانَ فيه عدم تأييده المطلق للاستفتاء إنما جاء بعد دخول القوات العراقية لمدينة كركوك و( طرد البيشمركة التي تأتمر بأمر برزاني ) ويعدُّ خطابه من أجل اللحاق بالقافلة ومحاولة منه للتخلص من إقالته التي أخذ بعض النواب جمع التواقيع لها بتهمة الحنث باليمين وربما الخيانة العظمى وعدم حماية وحدة البلاد .
ما تم تحقيقه من انتصارات على الأرض إلى حد هذه اللحظة يحفظ وحدة البلاد ويقوي الحكومة المركزية ويحفظ للدولة بالاجمال هيبتها ، إلا أنني أحذر من الدخول في مفاوضات يملي فيها البارزاني شروطهُ متكئاً على مساندة إسرائيل العلنية له وتأثيرها على صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية . فالدولة العراقية الآن أقوى من أي وقت مضى ولو توالت انتصاراتها وفرض هيبتها على أراضيها وطرد الإرهاب دون انتكاسات
، فإن الكثير من المعادلات الدولية تتغير تبعاً لهذه المعطيات ، وهذه الانتصارات ينبغي استثمارها وعدم تضييع فرصة توحيد البلاد تحت مبررات وجوب تقديم التنازلات من جميع الأطراف التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضها .

لا تعليقات

اترك رد